الثلاثاء، 31 ديسمبر، 2013

كتاب «أفكار» لليوباردي.. اختزالٌ وتكثيف!

«أفكار» اختزالٌ وتكثيف!




«أفكار» كتاب لليوباردي شاعر إيطاليا ومفكرها الكبير كما هو متبيّن على غلاف الكتاب، صدر عن مشروع كلمة، ترجمة أمارجي، يحوي الكثير من الاختزالات لأفكار اجتماعيّة وإنسانيّة مبنيّة على تراكمات خبرة ليوباردي، يرى البعض أنّ « أفكار» يقدّم ينبوعًا فوّارًا من الإلهام نحو المعرفة الحكيمة بالإنسان، مهما صغُرت، وما قد يلوح للبعض على أنّه افتقارٌ إلى التجانس لا يمكنه الحؤول دون القبض على الآثار الرائعة لفكر ليوباردي، وما قد يبدو كذلك جفافًا نغميًّا لن يكون مانعًا أمام قدرة نصوصه على توريط القارئ بالمشاركة الوجدانيّة.
وحسب المترجم فأفكار هي مضاهاة مكثّفة للشذرات، نوع من الاستقطار الفائق، وصياغة أشدُّ تبلورًا، فالكتابان كما يقول: شكلٌ متفرّد لجدارة تأمليّة متفردة، ذاك الذي قيل في الشذرات مطعمًا بالاقتطافات والأمثلة مع نغمة يوميّاتية حكائيّة، يصيرُ في «أفكار» حكمة منحوتة خارج الزمن والمحيط.

يتسم أفكار بالثقافة والاطلاع، والتي تنم عن ثقافة واطلاع ليوباردي الواسعة، إذ يضمّخ كتابه بأقوال الفلاسفة القدماء امثال سقراط وديوجينيوس، والأخلاقيّون والكتّاب اللاتينيّون مثل شيشرون وأوراسيوس ومارسال.
يؤكد المترجم أمارجي أن ليوباردي توخى طرح أفكاره عبر تجريب أجناس مختلفة من الشعر وأجناس مختلفة من النثر، بأسلوب يتسم، حقاً، بالأصالة والفرادة، وهذا ما بدا واضحاً حتى في ترجمات كتبه. قائلاً: إن تجربته الشعرية، في الواقع، لا يمكن إلحاقها بنزعة محددة، فهو يزاوج بعض مضامين الكلاسيكية، من حيث استخدام إيقاع وشكل القصيدة الإغريقية واللاتينية ببعض مضامين الرومانسية الأوروبية (برغم انتقاداته لها) من حيث: النزوع نحو المطلق، فقدان الفرد، البحث عن روحانية فلسفية وليست نفسية، الألم الكوني.. أما على صعيد الشكل، فلم تكن لتعوزه الصنعة الأصيلة لخلق مفردة شعرية تكون الحامل لكثير من المعاني المحتملة، وتعبر عن السمة اللامحدودة للمشاعر والصور بالنسبة الى ليوباردي، تمثل القصيدة الغنائية الجنس الشعري الأكثر أصالة، لأنها الأقرب الى العاطفة والى الموسيقى، هي الأكثر تقادماً والأكثر حداثة في آن. ومن خلال التمعن، في مواضيع شعر ليوباردي، نجد أنها ذاتها مواضيع فكره، والتي تتمحور حول: انمحاء الفرد في المكان والزمان، ضياع أوهام الشباب، البحث اللامجدي عن المتع، الحدث الكوني الفائق. وهي رؤى وأفكار ما زالت تشكل أعمدة تساؤلاتنا الوجودية.
ومن أفكار ليوباردي في الإنسان نظرته للرجل الصالح، إذ يرى: « الرجل الصالح مع تقدم السنين، يصير بسهولة عديم التأثر بالمديح والتشريف، لكن لا يفقد أبداً، كما أعتقد، تأثره بالتحقير والتوبيخ. أكثر من ذلك، فالإطراء والتقدير اللذان قد يأتيانه من أشخاص في مُنتهى الرفعة ليسا كفيلين بالتعويض عن الألم الذي تسببه له أي إيماءة أو إشارة إهمال قد تأتيه من شخص في منتهى الضعة.
لعل العكس يحصل مع الطالح، فبأنه معتاد على التحقير وليس معتاداً على التقدير، يصير عديم التأثر بالأول، سريع التأثر بالثاني، ما لم يمسسه بالمصادفة مس من الحكمة».
وعن الشيخوخة يقول: الشيخوخة سيئة إلى أقصى الحدود؛ لأنّها تسلب الإنسان كل أشكال المتعة تاركة له الشهوات، ومعها جميع الآلام رغم ذلك، يخشى الناس الموت ويفضّلون الشيخوخة».


الخميس، 26 ديسمبر، 2013

«الأخلاق: الضّائع من الموارد الخلقيّة» لـعلي الوردي

«الأخلاق: الضّائع من الموارد الخلقيّة» لـعلي الوردي


يُعدُّ كتاب (الأخلاق: الضّائع من الموارد الخلقيّة) بحثًا في سيكولوجيّة المجتمعات العربيّة، وإن كان الوردي قد خصّ به المجتمع العراقي إلّا أنّه قد ينطبق على معظم المجتمعات العربيّة، فالوردي يرى أنّ الأخلاق من الأمور النسبيّة التي يختلف النّاس في تقديرها، فكل ثقافة بشريّة تتخذ لنفسها نظامًا في الأخلاق خاصًّا بها، على أساسه تنظر إلى أخلاق الآخرين بشيء من الريبة والاحتقار . وقبل أن يُعرِّج إلى الضّائع من الأخلاق عمد الوردي إلى تحديد المقصود بالأخلاق في بحثه، فركّز على أخلاق البداوة والحضارة؛ إذ يرى أنّ تركيزه ذاك نابِعٌ من طبيعة المجتمع قيد الدراسة، فالمجتمع العربي قد اختص من بين كثير من المجتمعات الأخرى بكونه شديد الصِّلة بالبداوة من ناحية وكونه موطن أعرق الحضارات في التاريخ. من الناحية الأخرى يؤكِّد الوردي في كتابه أنّ للصّحراء أثرٌا بالِغا في تكوين المجتمع العربي، وفي تناوله لشخصيّة المجتمع البدوي، عمد إلى المقارنة لإيضاح صفات المجتمع البدوي، فيرى أن الشخصية الحضرية تقوم على (الانتاج) بينما تقوم الشخصية البدوية على (الاستحواذ) وشتان بين أخلاق الانتاج وأخلاق الاستحواذ، ويسوق لتوضيح ذلك أمثلة عديدة، من بينها الأمثال الدارجة كقولهم: (الحق بالسيف والعاجز يريد شهود). وجاء كذلك قولهم (الحلال ما حل باليد). كما يرى الوردي من خلال تتبعه واستقصائِه أنّ المجتمع البدوي يقيس الرجولة الكاملة بقياس الغلبة والاستحواذ، فهم إذ يمدحون رجلا يقولون عنه إنّه (سبع) يأخذ حقه بذراعه ولا يقدر أحد عليه ومن أكبر العار على أحدهم أن يُقال عنه إنّه صانع أو حائك فذلك يعني في نظرهم أنّه ضعيف يحصل على قوته بعرق جبينه كالنساء ولا يحصل عليه بحد السيف ومن هنا أطلقوا على العمل اليدوي اسم (المهنة) والمهنة مشتقة من المهانة. وفي تناوله لمقاييس الحضارة يطرق الوردي فكرة مهمّة يتبلور من خلالها مفهوم الأخلاق النّسبي، فالحضري لا يُمكن له أن يستسيغ قيم البدوي القائِمة على الاستحواذ والسّلب، كما أنّ البدوي ينظر بنفسِ عين الاحتقار إلى الحضري، فيرى فيه مثالا للرّجل الجبان الذليل الذي لا كرامة له ولا حق له في الحياة . إنّ البدوي في تمجيده لـ: (غارة الضّحى) مثلا، وتبجيله لها، واعتقاده أنّها أقرب لمرضاة الله يشكِّل أخلاقه الخاصّة، فهو من تِلك الغارة بالذّات يعمد إلى التصدّق على أرواح الموتى، كما يغضب البدوي إذا قيل له (حرمك الله من غارةِ الضّحى). يؤكِّد الوردي في هذه النّقطة أنّ الأخلاق ما هي إلا صورة من صور تكيُّف الإنسان على محيطه. يتطرّق الوردي أيضًا إلى غلطة بعض المستشرقين في تناولهم لأخلاق البداوةِ، مستدّلا بالمستشرق أوليري في كتابه Arabia before Mohammed ، إذ يرى أوليري أن البدوي يحبُّ المال حبًّا جمّا ولا يقدِّر غير الدراهم والدينار أما المعنويات فلا قيمة لها في نظره، فيرى في البدوي نموذجا للنزعة المادية حيث يتملك الطمع مشاعره وليس لديه مجال للخيال والعواطف والدين. ويخالف الوردي المستشرق أوليري في ذلك، ويرى في رأيه غلوًّا وإهمالا لجوانب عديدة في حياة البدوي متّصلة بأمرِ المال، فالبدوي لا يطلب المال من أجل المال؛ إذ أنّ المال عنده من علامات الرجولة والغلبة، فهو لا يبالي أن يسخو بالمال حالما يصل إلى يده، ومن هنا جاء وصف البدوي بأنه (نهّابٌ وهّاب) إنّه نهّابٌ عندما يكون النهب رمزا للقوة وهو وهّاب عندما يكون الوهب رمزا لها كذلك . ولذلك تجده من أحرص الناس على الفلس الواحد حين يؤخذ الفلس منه اغتصابا وعنوة بينما هو من أسخى الناس حين يُستغاث به أو يؤتى إلى مضيفه أو يطلب منه العون وهو قد يبذل في سبيل ذلك حياته علاوة على المال. ومن أخلاق البدوي الصراحة والصّدق، فالبدوي لا يحبُّ الرياء والمراوغة، وفيٌّ لكلمته، إلّا أنّ تلك الأخلاق تتبدّل ما أن يتحضّر البدوي، فخلال دراسة الوردي للمجتمع العراقي رأى أنّ البدوي حالما يتحضّر فإنّ الكثير من أخلاقه يتغيّر، فيفقد الصدق والأمانة والصراحة مثلا ولكنّه بقي متمسِّكا بالعصبيّة القبلية والثأر والاعتداد بالغلبة والفخار بالغزو والنهب. كما تطرّق لبعض الأسباب التي ساعدت في تفكّك الأخلاق، فنظام الحكم في العهد العثماني كان له بالغ الأثر في تغيُّر أخلاق البدو، حيث لم يهدف النّظام إلا لجبي الضرائب والمغارم، فيما ترك القبائِل تتقاتل وتتناهب فيما بينها دونما تدخُّلٍ منه، فأصبحت العشائر تستقوي على بعضها بالاستحواذ والقوّة، فيما هي في موقف ذل واستجداء مع الحكومة العثمانيّة.. ومن هنا بدأت تتشكّل أخلاق “مزدوجة” للبدوي المتحضِّر. كما تطرّق الوردي للإقطاع كمؤثِّر في تفكيك أخلاق المجتمع العراقي، من حيث أثره على الأفراد ودفعه لهم للمخاتلة والكذب والنِّفاق، وللمرابين الذين أثّروا كذلك على أخلاق المجتمع، إذ إنّهم أسهموا كما يرى الوردي في تفكيك الأخلاق، فالضغط الذي يرزح الفلاح العراقي تحت وطأته من قبل الدائنين والمرابين ومن الممكن أن يؤدي إلى خلق عقدة نفسية في الفلاح تجاه كل وعد يعد به أو دين يستدينه، وهو مجبور أن يتخلى عن خلق الوفاء الذي اشتهر به جده البدوي. ويُجمل الوردي في ختام كتابه الأخلاق بعدما تقصّى في بحثه أخلاق البداوة والحضر، موضِّحا أفكاره بسوق الأمثلة، فيتحدّث الوردي عن فئة من المجتمع تتمسّك بالعقيدة الدينية تمسكا شديدا، فيقدسون الأنبياء والأولياء تقديسا لا حد له وهم قد يعتدون على من يشك في صحة عقيدتهم أو يستهين بالأنبياء والأولياء، ولكنهم في الوقت ذاته لا يحترمون من يقتدي في أخلاقه بسيرة الأنبياء والأولياء ولو أنّ رجلا منهم أراد أن يلتزم بتعاليم الأنبياء فيرد الأذى بالعفو والسيئة بالحسنة لعدوا ذلك منه ضعفًا وتميُّعًا ورمقوه بنظرات الاحتقار، كما أنّهم قد يذرفون الدمع ويتظاهرون بالخشوع والتقوى حينما يستمعون للمواعظ، وما أن يجتمع الواحد منهم إلى أقرانه حتى يأخذ بالحديث عن غزواته وفتكاته وكيف غلب فلانا أو خدع فلانا أو (كسر) عين فلان وهو يضحك عند ذلك بملء شدقية فخارا. وكما يؤكِّد الوردي فهؤلاء لا يسألون عن الفائدة العملية التي يجنيها الرجل مما فعل المهم عندهم أن يكون الغالب على أية صورة فذلك في نظرهم من معالم الرجولة فيه وتتضح هذه النزعة فيهم في مسألة الانحراف الجنسي فالمعروف في بعض الأمم الراقية أنهم يستنكرون الانحراف الإيجابي أكثر مما يستنكرون الانحراف السلبي حيث يعدون الأول منهم سببا والثاني نتيجة أي أن الإيجابي مجرم والسلبي ضحية. أمّا المجتمعات العربيّة فعلى عكس ذلك، فتراهم يحتقرون المنحرف السلبي كل الاحتقار بينما ينظرون إلى المنحرف الإيجابي بعين الاحترام، فهو غالب والويل كل الويل لمن كان في هذا المجال مغلوبا. والنظرة المزدوجة ذاتها ينظرون بها لمسألة الزنا، فمن الفخار للرجل أن يكون زانيا بنساء غيره ومن العار عليه أن تكون إحدى نسائه مزنيا بها ويقع عبء ذلك على المرأة في معظم الأحيان. يرى الوردي في الختام أنّ الأخلاق التي كانت قيد دراسته تحمل في ثناياها بعض قيم البداوة في احترام الغالب واحتقار المغلوب ولكنها قيم ممسوخة حيث خرجت من محيطها الأول وفقدت وظـيفتـها الاجتماعـية إنما بقــيت توجه الســلوك كالعقدة النفسية من غير أن يكون هدف لها يلائم محيطها الجديد، مؤكِّدًا أنّنا لا نستطيع إصلاح أخلاق الناس عن طريق المواعظ والنصائح على منوال ما كان يفعل القدماء لأن الأخلاق وليدة الظروف الاجتماعية التي تحيط بها وما لم تتغير تلك الظروف فإننا لا نأمل أن تتغير تلك الأخلاق كما كنا نتمنى (غيِّر معيشة المرء تتغير أخلاق). ____ لتحميل الكتاب من هُنا

الثلاثاء، 4 يونيو، 2013

ضوء على الحجاب وتاريخه: حجاب النّساء عرض تاريخي نفساني أنطولوجي



تطرح الكاتبة روزين.أ.لامبان سؤالا محوريا " هل يشكل الحجاب حقا إحدى العلامات الدينية؟ هل هو مرتبط فعلا بالإيمان وبالتوحيد؟". وتجيب الكاتبة على ذلك من خلال كتابها " حجاب النساء .. عرض تاريخي نفساني وأنطولوجي" الصادر عن رابطة العقلانيين العرب. والذي يقع في 280 ورقة من القطع الكبير ونقله إلى العربية عيسى محاسبي. ورغم أن الكاتبة في ثلاثة أقسام أو فصول تضمنها الكتاب لم تفصل الحديث حول الرؤية الإسلامية بأهدافها ومضامينها للحجاب إلا أنها هدفت إلى القول ان الحجاب لم يكن تاريخيا على الأقل قضية خاصة بالإسلام.

في الفصل الأول من الكتاب تتحدث الكاتبة عن حجاب النساء في العصور القديمة مؤكدة ان حجاب النساء قديم جدا، لكنه لم ينشأ مع الحضارات البدائية كتلك التي عرفتها بعض التجمعات البشرية الهندية في منطقة الأمازون او بعض القبائل في جنوب قارة أفريقيا.

وحسب دراسة الباحثة فقد كان الحجاب شائعا في العصور القديمة الوثنية في معظم أقاليم البحر المتوسط، ومنها انتقلت عادة وضعه إلى البقاع المتنصرة في أوروبا وإفريقيا والشرق. وحسب الحفريات ودراسة النصوص القديمة فإن النساء في منطقة الشرق الأوسط لم يكن في الأزمنة التوراتية، يغطين رؤوسهن بصورة متواصلة. الأمر الذي أظهرته التماثيل والمنحوتات الجدارية في مصر وبلاد الرافدين. وفي المنطقة الوسطى من آسيا الصغرى وسوريا وأرض كنعان والتي كان يشيع فيها تغطية الرأس، أظهرت تنوعا كبيرا في أشكال تصفيفات الشعر النسائية، الأمر الذي معه يعتقد بأن النساء كن يخرجن سافرات أيضا، وكانت البدويات في جزيرة العرب حسب الباحثة يسرن سافرات غالبا، على عكس نساء المدن. وهناك رسومات تعود إلى نحو 1890 قبل الميلاد تظهر نساء من قبيلة شبه بدوية في فلسطين كاشفات الرأس، إلا من عصابة بسيطة تمسك شعورهن الطليقة. ورغم ذلك إلا أن الحجاب كان في ذلك الوقت شائعا وفي تدمر السورية حسب الباحثة كانت النساء المتزوجات يغطين شعورهن، أما العازبات فيخرجن حاسرات الرأس. وفي بلاد آشور الإمبراطورية القديمة في آسيا الغربية، كانت غالبية النساء محجبات انصياعا لقوانين غاية في الصرامة.

وحسب الباحثة فإن الحجاب في الحضارتين اليونانية والرومانية كان إما غطاء رأس تقليدي أو غطاء رأس ديني متضمنا علاقة محددة ما بين شخص مغطى الرأس والعالم الإلهي. الأمر الذي يكشف أن أصول غطاء الرأس وثنية لا يمكن إنكارها. والروابط بهذا الشأن بين ممارسات الدين الروماني ورغبة المسيحية في أن تكون لنفسها سمعة أخلاقية حسنة في صفوف الوثنيين واضحة وقوية إلى درجة تفوق التصور.

وترى الكاتبة أن تاريخ الحجاب في إسرائيل وفي الديانة اليهودية، أقدم الديانات التوحيدية، تاريخ جدير بالاهتمام لأنه يوضح أنه لا جذور لتقليد الحجاب النسائي في اللاهوت والأسس التوحيديّة، ويعزز النظرية القائلة بأن التقليد الديني للحجاب النسائيّ جاء من الثقافات الوثنيّة الحلوليّة، وبأنه يرتبط بعبادة الإلهة التي حاربتها الديانات التوحيدية عموما .

وتذكر الكاتبة ان الوثائق التوارتيّة لا تقدم لنا دلالة متجانسة حول ارتداء النساء اليهوديات للحجاب، كما أن التوراة تغطّي فترة زمنية مديدة (تصل إلى قرون) يصبح من المحال التخيّل أن غطاء الرأس النسائيّ قد اجتازها جميعا محافظا على الشكل ذاته.

وتواصل الكاتبة تقصيها لتؤكد أن الحجاب النسائي أُدخل في القرنين الرابع والسابع إدخالا تاما في الكنيسة ومؤسساتها التي جعلت منه، لاسيما في الغرب، رمزا للمسيحية. وإن ابتلاع العادات الوثنية على هذا النحو لإيهام المسيحيين بأن الحجاب النسائي نابع، تحديدا من دينهم، يشبه الخداع الذي لجأ إليه بعض أصوليي القرن العشرين المسلمين عندما حاولوا إقناع أتباعهم بأن الحجاب رمز خاص بهم في حين أنه، في الواقع، لا يشكل سمة لأيّ دين ، بل هو ، بالأحرى، علامة ارتداد ماضويّ إلى تقاليد تَرتقى إلى العصور الغابرة.

والحجاب في القرن العشرين حسب الكاتبة هو دلالة على رفض التطور الاجتماعي، بمعنى انه ظل في القرن العشرين رمزا للراهبة ولمن نَبذت الزواج وتخلت عن الحياة الجنسية. بات الحجاب إذا معنى ملتويا ومغايرا مقارنة بالتقليد القديم، وأصبح يشير في مسيحية القرن العشرين ، إلى المرأة غير المتزوجة.

وتتحدث الكاتبة عن البعد الإيروسي للحجاب كما يظهر في نشيد الأناشيد، الذي يجعل منه زينة، وترفا ودليلا على الثراء، الأمر الذي جعل من " أشعيا" في سفره يشجبه شجبا كاملا كما شجب أشكال أخرى من أغطية الرأس وتسريحات الشعر المعقدة.

في القسم الثاني من الكتاب تحدثت الكاتبة عن "التسريحة النسائية في الكنيسة الكاثوليكية خلال القرن العشرين". وبدا أن الكتابة اختارت هذه الفترة لأن نفوذ الكنيسة كان قد بدأ يتآكل شيئا فشئيا في وقت شهد القرن أكثر الفترات هياجا فيما يتعلق بتسريحات الشعر النسائية.

وتلاحظ الكاتبة أن الصراع بين العلمانية والدين يمرّ في جزء منه آنذاك عبر حجاب النساء وفي العشرينيات من القرن الماضي راحت الابتكارات الجديدة في تصاميم الأزياء التي رَفضت الدخول في تلك اللعبة تتطوّر بمرور الزمن ، فقد كانت الحرب العالمية الأولى وراء تجديد الأزياء، وسبباً في تحول اجتماعي لا سابق له في آن. انه تحول ستزداد قوته أضعافا أثناء الحرب العالمية الثانية، فقد تطور التعليم بسرعة كبيرة بعد الحرب العالمية الأولى ؛ وتمكنت بعض الطبقات الاجتماعية، التي كانت حتى ذاك الوقت فقيرة ، من تحصيل العلم وتحقيق شيء من اليسر المادي . القسم الثالث تمحور حول المعنى العميق لحجاب النساء حيث اعتبرت الكاتبة ان أول حقيقة نكتشفها بعد قراءة النصوص اليهودية والمسيحية هي أن الحجاب قد فُرض على النساء للدلالة على الاختلاف بين الجنسين بما ينطوي عليه من علاقة خضوع .

الكتاب يحتاج إلى أكثر من استعراض لمحتوياته، يحتاج إلى دراسة معمقة حول مضامينه ونقولاته التاريخية ودراسة موضوع الحجاب من زوايا مختلفة لا تهمل الجوانب النفسية والعقائدية. إضافة إلى الأهداف التي من خلالها فرض بعض الديانات السماوية الحجاب.

 

"بيت الدمية" صفقة الباب الأشهر في تاريخ الأدب العالمي


"بيت الدمية" صفقة الباب الأشهر في تاريخ الأدب العالمي
 


إنّ مُلامسة الكِتابة للجوهري الإنساني من القضايا هو ما يجعل تلك الإصدارات تتجاوز الحدود الجغرافيّة والزّمانيّة، وما بيت الدمية إلّا مثال جميل للأدب الّذي تعدّى العرضي الخاص إلى العالميّة .

بيتُ الدُّمية مسرحيَّة ألّفها النّرويجي هنريك إبسن في نهايات القرن التّاسع عشر، وأحدثت يومها ضجّة كبيرة، وصخبا عارما في أوساط المجتمع الأوروبي. تناولت المسرحيّة موضوعا مسكوتا عنه آنذاك، يمس الحياة الاجتماعيّة لكل أُسرة بل ويرفع عنها حجاب الزِّيف ليُعرِّ الحقيقة الكامنة خلف المظاهر الزائفة، تتلخّص المسرحيّة الّتي تتكوّن من ثلاثة فصول، في ثورة نورا هيلمر على بيت الزّوجيّة بعدما تكتشف في الفصل الأخير زيف الحياة الّتي كانت تحياها لثمانية أعوام، وأنها لم تكن إلّا دمية في بيت زوجها يحركها كيفما شاء، ويديرها حيثما يُريد، وأنه في لحظة الغضب ينسف كل اعتبار لإنسانيّتها وكيانها مقابل نظرة الخارج له. " أتهجرين بيتك وزوجك وأولادك دون أن تُفكِّري فيما قد يقوله النّاس؟"

في بيت الدمية يمسح إبسن الألوان والبهرجة الخارجيّة عن أبطالِه ؛ليعرِض مسرحيّة توجه جمهورها لحقيقة يتجاهلونها، فإبسن في أعماله الاجتماعيّة مجملا يُعرِّ حقيقة المجتمع الّذي لا يكترث للإنسان بقيمته الإنسانيّة، ففي بيتِ الدُّميةِ مثلا "نورا" المدلّلة الحبيبة لزوجها عصفورته الصّغيرة وأرنبته الأثيرة ما أن يكتشفُ زوجها أنّها استدانت و زوّرت توقيع والدها لأجل إنقاذ حياته حتّى ثارت ثائرته وهو الّذي قبل لحظات فقط من اكتشافه لذلِك يخدرها بقوله " أتعلمين يا نورا أنِّي طالما تمنيتُ أن يتهدّدكِ خطر شديد حتّى يُتاح لي أن أُجازِف بحياتي وبكلِّ ما ملكت يدي في سبيلك."
تورفالد ثار لأجلِ سمعته الّتي ستتأثّر نتيجة تزوير زوجته لتوقيع والِدها، دونما اعتبار لسببِ تزويرها، تورفالد حملته أنانيته وإلتفاته للخارج وكلام النّاس [... أمّا نحنُ فيجب أن نُحافظ على المظهر أمام النّاس، كأنّ شيئا لم يحدُث] إلى توبيخ نورا وإهالة أبشعِ الأوصاف لها فقط لأنّها استدانت باسم والِدها لتنقذ حياة زوجها المريض، وزوّرت توقيع والدها؛ لكي لا تزعجه وهو المُقعد على فراش المرض، بخبر مرض زوجها.

[ما من رجل يقبل التّضحية بشرفِه في سبيل المرأة الّتي يحب] الزوج في "بيت الدمية" لا يكترث لمشاعر زوجته، فبعدما وبّخها وعنّفها وأهانها بأبشع الألفاظ [.. يا لها من صحوةٍ مفجعة. ثماني سنوات وأنا أعقد عليها أملي في الحياة، وأنظر إليها بخيلاء، فإذا بها منافقة، كاذِبة بل أسوأ من هذا مجرمة!
إن بشاعة اللفظ وحدها تثير الاشمئزاز، يا للعار! يا للعار!
كان يجب أن أتوقّع شيئًا من هذا القبيل كان يجب أن أستبق الحوادث بشئٍ من بعد النّظر. إنّ خسة أبيك وطباعه المتدهورة قد انتقلت إليكِ، فلا دين، ولا أخلاق، ولا إحساس بالواجب. وهذا عقابي لأنّني أغمضتُ عينيّ عن سيئاته من أجلكِ. يا لهُ من جزاء!]..وحالما أدرك أنّ الخطر تلاشى لمجرد تراجع كروجشتاد عن عزمه بإفشاء السر وفضحهم، عاد تورفالدو لكأن شيئا لم يكن، بل والأبشع من ذلك أنه كان متعجبًا من نفورها منه بعدما تراجع [ ما هذه النّظرة المتجهِّمة؟.. آه. فهمت يا عزيزتي. إنّك لا تصدقين أنّني غفرتُ لك. ولكنّها الحقيقة يا نورا. أقسم لك لقد غفرتُ لكِ كلّ شئ، إنّني أُدرك أنّ الدّافع لك على ما فعلتِ كان حبًّا لي].
بل ويتمادى في إيلامها حالما يقول: [كُل ما عليكِ هو أن تعتمدي عليّ، وأنا كفيل بالنصح والإرشاد. ما كنتُ لأُعدُّ من بني جنسي إن لم تزدني أنوثتكِ الضعيفة إقبالا عليكِ. لا تُفكري فيما قلته لك لحظة الانفعال الأولى، وأنا أتوهم أنّ الدّنيا قد انطبقت فوق رأسي، لقد غفرت لكِ يا نورا أُقسم أنّني قد غفرتُ لكِ].
نسف إبسن في أعماله النّمط المُعتاد في بناء المسرحية المحكمة المتكوِّنة من (عرض، عقدة، حل)، واستبدلها بنمط جديد من المسرحيات ذات التحليل الرجعي التي تتكوّن من ( عرض، عُقدة، نقاش)، صاحب تغييره المستوى الفنِّي كذلك تغيير على مستوى الموضوع، فقد ابتدع مواضيع جديدة لمسرحيّاته غير ما كانت سائدة آنذاك من معالجات تختص بالثّالوث البرجوازي ( الزّوج، الزّوجة، العشيق/ة).
عمد إبسن في أعماله إلى مواضيع مسكوت عنها لم يجرؤ أحد قبله على فتحها، فهز بذلك هيبة تابوهات محرمة، مما أثار سخط الرأي العام ضده، فقد عالجت مسرحيّات إبسن ومن بينها "بيت الدُّمية" قضايا الإنسان وإرادته، فحملت إحساسًا عميقا بالإنسان، وانتصارًا لإرادتِه، رافضة أيّ تغييب له تحت أي مبرر كان.
وفي "بيت الدُّمية" خصوصًا هاجم إبسن السُّلطة الذُّكوريّة المتمثلة في الزوج والأب اللذان يرسمان خط سير " نورا"، فنورا في كنف والدها كانت لا ترى إلا من زاويته، حيث يقف هو وما يريد هو، وحالما انتقلت لكنف زوجها كان لزامًا عليها أن تنتقل لزاوية رؤية زوجها وأن تكون كما يشتهي هو لا كما هي عليه، إبسن في مسرحيته يعرض آلية تغييب الإنسان عن نفسه، وانصهاره في الآخر، وأنانية الآخر الذي يرى في هذا الانصهار والاندماج واجب وحق.
ينتصر إبسن للإنسان أولا وللمرأة ثانيًا، وترجمةً لذلك الهدف أوضح في شخصية تورفالدو مساوئ أن يستمد المرء قوّته وثقته من الخارج، وأن يرى في مباركة المحيط راحته واستقراره، إبسن ينتصر للذات الإنسانية بكونها ذات مستقلة تتحقق وفق ما يناسبها ويلائمها وليس وفق تقييدات اجتماعية تُفرض عليها.
"بيت الدمية" بشكلها الفني وبموضوعها كانت ثورة بحد ذاتها، فالباب الموارب في بيت الدمية رمز للاستباحة والتملّك والتداخل، وصفقة الباب التي هي أشهر صفقة باب عرفها التاريخ رمزٌ آخر، الصفقة التي ختمت بها نورا المسرحية هي صفقة قرار رفض، وثورة على الواقع المحكوم بقيمه البالية وعاداته المتوارثة، كما أنه بمرور الوقت أصبحت " نورا" أيضًا رمزًا آخر للمرأة الطامحة للحرية والمساواة، المرأة الرافضة الخضوع للسلطة الذكورية.


إن لمسرحية هنريك إبسن الفضل في التجديد، فإضافة إلى كونه أبو المسرح الحديث بتجديده في الشّكل والموضوع، فلإبسن الفضل في التمهيد لظهور الحركة النسوية في الأدب، حيث أن انتصاره للمرأة وإنصافه لها في موضوع مسرحيته ومناهضته لما كان سائد قبله من تناولات وتوظيف للمرأة كما في أعمال تشوسر وشكسبير وغيرهم من قبله، كان دافعًا لظهور حركات نسائيّة من بعده حاولت الانتفاضة على الواقع وإثبات وجودها.
أثارت بيت الدمية آنذاك الكثير من السّخط، إذ أن "صفقة الباب" وشخصية نورا ككُل نورا التي تُقدم على تحمل أعباء مادية وتشارك زوجها ولو بطريقة سريّة بعض المتاعب هي شخصية لا تليق بالمرأة آنذاك، فكانت مدعاة لتجريح إبسن واتهامه بمحاولة إفساد المجتمع، مما اضطره في بعض العروض إلى تحريف النهاية بما يتواءم ورؤية النقّاد والمجتمع.
المسرحية التي أثارت ضجّة آنذاك في الدّول الأوروبيّة، بلا شك تجاوزوها الآن بعد مرور قرن وربع القرن إلا أن موضوعها ما زال يُثير ضجّة في دولٍ أخرى، حيث الإنسان مغيّب يستمد مكانته من الخارج، وفق رضا منظومات متوارثة، ولا يعتد بذاته كما هي، بل كما يُراد لها أن تكون وتتقولب.

(معجزات زِن: اكتشاف السّلام في عالمٍ مجنون)


(معجزات زِن: اكتشاف السّلام في عالمٍ مجنون)

 
 
 

(معجزات زِن: اكتشاف السّلام في عالمٍ مجنون)، كتابٌ للمعالِجة النفسيّة  الدكتورة بريندا شوشانا، ترجمة سلام خير بِك، يُسلّط الضّوء على مقدرة "زِن" في انتشال الإنسان من محبطات الحياة المتسارِعة، وهو كما جاء في المقدِّمة: هذا الكتاب مكرّس لقدرتنا على وعي المعجزات، وعلى فهم وإزالة الحُجب التي تغشانا، والحواجز الدّاخلية والخارجيّة التي تُحوِّل الأصدقاء إلى أعداء، والفرح إلى معاناة والجنّة نفسها إلى جحيم.

في البِدء يقول د.ت. سوزوكي_ وسوزوكي أول مَن أدخل الزِنْ إلى الغرب، والذي جمع بين الخبرة الروحية والمنهج الأكاديمي_ في كتابه ( مدخل إلى بوذيّة زِن) موضِّحًا الغاية من زِن: إن زِنْ في جوهره هو فن تبصُّر المرء بطبيعة كينونته؛ وهو يشير إلى السبيل من العبودية إلى الحرية... ويمكن القول إن زِنْ يحرِّر كلَّ الطاقات المخزونة بصورة طبيعية في داخل كلٍّ منَّا، التي تكون، في الأحوال العادية، محبوسةً ومشوهة، فلا تجد قناةً كافية لنشاطها... وهكذا تكون غاية زِنْ هي أن ينقذنا من الجنون أو من العجز والقُعَاد. أما ما أعنيه بالحرية، فهو إفساح المجال أمام كلِّ الدوافع الخلاقة والخيِّرة، الكامنة أصلاً في قلوبنا، بحيث يمكن لها أن تتحرك حرَّة. فنحن، في صورة عامة، عُمْيٌ تجاه هذه الحقيقة، حقيقة أن في حوزتنا كلَّ المقدرات الضرورية لجعلنا سعداء، يحبُّ واحدنا الآخر.

وقد حيّرت ممارسة زن النّاس وفتنتهم على مرِّ الزّمان، إذ كيف يُمكن أن تُعطي وصفًا حقيقيًّا لما لا يُمكن للكلمات التّعبير عنه؟.. في زِن نقول أنّه حالما أنت تتحدّث، ستبتعد عن الموضوع قَطعًا، ووفقًا لقولٍ زنِّي قديم" اِغسل فمك حالما تتحدّث عن زِن"، إذ أنّ الكلمات تحدّ الفهم وتشوّهه، كما أنّ الصّمت لن يُجدي.. وهذا أيضًا أحد تحدّيات زِن وإعجازه!

يُرينا كتاب" مُعجزات زِن" كيف يُقارب زِن العقل المُضلِّل والمشكلات والعقبات والعلاقات التي نواجهها في حياتنا اليوميّة.. حيث أنّه مكتوبًا من قِبل طبيب نفسي وممارس طويل الأمد لزِن، يواجه هذا الكتاب حسب التّقديم طرقنا المعتادة لحلِّ مشكلاتنا بطريقة زِن، وبدلا من التماس تشخيص المرض، ووصف دواء يُسكِّن الألم، ثمّ تصحيح أوجه القصور، او النّظر لأنفسنا كضعفاء أو آثمين بدلا من ذلك يطرح زِن تكتيكًا آخر، فيُشير إلى جمالنا وقوّتنا الأساسيّة إلى حيث يختفي هذا الاكتئاب والصّراع والاضطراب من تلقاء ذاته.

ينقسم " مُعجزات زِن" في تصنيفه إلى خمسة أجزاء، ففي الجزء الأوّل (البِداية) تتطرّق الطبيبة لمواصفات زِن وكيفيّة تنفيذها وشروطها، من خلال خمسة عناوين: ( ما هو زِن؟، كيف تقوم بذلك، أهلا بِكم في عالم الكوانات، تقشير البصل يومًا إثر يوم، فعلُ اللاشئ)، وتضمّن هذا الجزء على خمس من معجزات زِن: معجزة زِن الأولى: يُمكنك أن تضحك عندما تضحك وأن تبكي عندما تبكي، معجزة زِن الثّانية: لا مزيد من الاتِّكال على الآخرين، يُمكنك الاعتماد على نفسك، معجزة زِن الثالثة: ستجِد كلّا من أسئلتك وأجوبتك هنا تمامًا حيث أنت!، معجزة زِن الرّابعة: يمكنك تقشير أيّة بصلة بالكامل!، معجزة زِن الخامسة: الرّبيع يأتي والورود تنمو من تلقاء ذاتها.

ويحوي الجزء الثّاني ( لهفاتٌ وإرغام) على نظرة إلى طبيعتنا النّفسيّة وِفقا لزِن، السّموم الثلاثة وآثار الكارما على حيواتنا، كل ما يحوي تعطُّشٌ وإكراه، وقد تناولت الطبيبة ذلك عبر عدّة محاور هي: (تهدئة العقل القرد، الوحدة والانفصال، إطعام القلب الجائِع، الطّموح: ترويض العقل العنيف)، وتضمّن هذا الفصل أربع من معجزات زِن وهي: معجزة زِن السّادسة: انحلال عقلنا القِرد، معجزة زِن السّابعة:  وأخيرًا قابلنا الصّديق، معجزة زِن الثّامنة: نتوقّف عن رفض الآخرين وأنفسنا، معجزة زِن التّاسعة: إدماننا على الكراهية يخبو!

وفي الجزء الثّالث المعنون بـ (التخلّي) سبرت الطبيبة جوهر التخلِّي والتّسامح وحلّ العقبات التي تعترِض مسير حياتنا من خلال المحاور: (التشبّث والتعلّق، أيدٍ فارغة، الحج)، وفي هذا الفصل استكمال لتضمين المعجزات من العاشرة وحتّى الثانية عشر: يمكننا إفراغ كوبنا!، نستطيع إفراغ أيدينا!، يمكنك المجيء والذّهاب متى شئت!

وفي جِزء (تذويب الذّات الزّائِفة) تطرّقت الطبيبة إلى تحليل النّفس الزّائفة  من خلال نظرة مختلفة إلى حسِّ الهويّة والطرق التي بواسطتها تسبّب الأنا الزّائِفة وتشوّه وتركِّز الألم العظيم؛ وذلك من خلال المحاور: (التخلِّي عن الألعاب، عندما يتحوّل الدّواء إلى سُم، الرّجل الحقيقي الذي لا مرتبة له، الصّيّاد الزِّني).

وتضمّن الجزء الرّابع أربع من معجزات زِن الثمانية عشر وهي: معجزة زِن الثّالثة عشر: لم يعُد مللنا يُضجرنا!، معجزة زِن الرّابعة عشر: يمكننا معرفة الفرق بين السُّم والدّواء، معجزة زِن الخامسة عشر: يمكننا أن نصبح بوّابين، معجزة زِن السّادسة عشر: نعود إلى السُّوق بأيدٍ مفتوحة.

وفي الجزء الأخير (زِن، الله، والتّنوّر) وفي هذا الفصل ناقشت الطبيبة إدخال ممارسة زِن إلى العالم المسيحي اليهودي مع نظرة إلى الوصايا والأسباب وقيم الحياة التي ترافق الممارسة الصحيّة، عبر: ( العبور من البوابة التي لا باب لها، زِن والله، تحذيرات زِن، توصيات زِن)، وفيه معجزتي زِن الأخيرتين: معجزة زِن السّابعة عشر: البوّابة التي لا باب لها تفتح، نحنُ نمرُّ عبرها!، معجزة زِن الثّامنة عشر: امشِ بإخلاصٍ معي!

ولأنّ التأكيد في معجزات زن هو دومًا على إدخال الممارسة إلى العائلة والعمل والعلاقات والحياة اليوميّة، يتضمّن الكتاب تمارين يمكن تنفيذها في كلّ مكان، وتُساعد تخصيص مبادِئ زن بما يتناسب مع كلّ منّا، فقد ضمّنت الطبيبة العديد من التّمارين في كلِّ فصل؛ وذلك بهدف إدخال هذه الممارسة إلى كلِّ النشاطات التي نجد أنفسنا فيها.

إنّ " معجزات زِن" كتابٌ عملي ينصبّ اهتمامه على منح القارئ مدخلا إلى هذا العالم القديم، جاعلا إيّاه سهل المنال قدر ما أمكن، مع الحفاظ على أصالته وحيويّته في ذات الوقت، وضِمن التحذيرات التي ضمّنتها الطبيبة في نهاية الكِتاب أنّ زِن قبل كلّ شئ عملي، وهو يذكِّرنا باستمرار بالحضور المباشر دومًا مع ما يحدث أمام أعيننا، ويحذّرنا من استعمال الممارسة لنبذ ما لا نحب، فالإنكار يكمن عميقًا في الكائِن البشري، ويجري فيه، واستخدام الممارسة لخدمة الإنكار هو من الأخطار الكبيرة والأخطاء التي يرتكبها ممارسو زِن، كما تؤكّد الطبيبة أنّ ممارسة زِن موجّهة قبل كلّ شئ نحو التواضع والتخلّص من الأنا والغرور والسيطرة على الآخرين، إنّما هي مكرّسة لتبديد الأوهام والأكاذيب، ممارسة زِن صيحة ضِد عبادة المرجعيّة، وضِد التخلِّي عن عقل الفرد الصّافي، والاعتقاد بوجود الحقيقة لدى شخص ما دون غيره، مؤكِّدةً ضرورة الإيمان أنّ كل ما نحن عليه ونحتاج معرفته موجود فينا/داخلنا.

وضمن توصيات (مُعجزة زِن) التي ختمت بِها الطبيبة: لا تتكل على الآخرين.. لا تتكِل على أي شئ، حافِظ على استقامة ظهرك في كلِّ الأوقات..فعمودك الفقري يصِل بين الأرضِ والسّماء.. احترمه وبجّله، الوحدة هي عدم التّرحيب بالتّواصل بحريّة مع كلّ الخلق.. عالِج هذا، لا تنفخ نفسك، وتقلِّل من شان الآخرين.. فجميعنا نمشي على الأرض ذاتها، هذا النَّفَس لن يأتي مرّةً أُخرى.. انتبه له، لا يُمكننا إيقاف الضّجيج، لكن يُمكننا إيقاف أنفسنا.. يمكننا قبول الضّجيج، ما أنت هذه اللحظة يحتوي كامل رسالة ما كنت عليه من قبل، لا يُمكن أن ترى أبدًا ما هو أسوأ من نفسك، لا تضع رأسًا فوق رأسك.. ما المشكلة في رأسك أنت؟، الذّهاب إلى (مكانٍ ما) لا يأخذك إلى أي مكان، فعل (لاشئ) هو اكثر من كافٍ، والأزهار تنمو من تلقاء ذاتها، الرّبح والخسارة.. تخلّص منهما وإلى الأبد

 

 

 

 

 

 

 

(قلب طفل) بين سلطة الأب وسُلطة الرّب.




في مقاربةٍ بين سلطة الأب وسُلطة الرّب يضعنا هرمان هسّه في (قلب طفل)، سلطة الأب التي هي امتداد وراثي حسبما يرى بعض علماء النّفس لسلطة الرب في الكون، إذ يرى فرويد أنّ إله كلّ فرد هي صورة أبيه، كما أنّ الموقف الشّخصي لكلِّ فرد إزاء الإله منوط بموقفه المادي إزاء أبيه، فالطفل بالذّات في مراحل حياته الأولى يرى في أبيه سلطة الرّب، وما فكرة الحماية والإلتجاء إلا تدليلٌ على ذلك، فالموقف الازدواجي من الأب ومحاولة اِخفاء المشاعر العدائيّه تجاه الأب وعدّها خطيئة، وتعزيز مشاعر المحبّة، هذه الازدواجية المبطنة للعقدة التي هي بين الترغيب والتّهريب هي ذاتها يحملها البعض تجاه الرّب. وكما يرى فرويد فإن ثمة تشابه بين صفات الرّب الذي يهابه المؤمن، وبين صفات الأب الذي يهابه الطّفل، ففي الحالتين الذّات العليا رحيمة وحكيمة ومهابة، يخاف الفرد عقوبتها ويتطلع للجزاء والحماية منها. قلبُ طِفلٍ في الحادية عشر من عُمرِه، قلبٌ يحملُ مخاوف الطفولةِ وقلقها وهواجسها وهمومها، وذاك المدعو " تأنيب الضّمير"، وما ترتّب على كُلّ ذاك من تداعياتٍ وحوادِث، صورة الأب/الرّب في ذِهن ذلِك الطّفل، الخطيئة والذّنب والمغفِرة، وعالم المثاليّة والفضيلة، وتمنِّي الموت هربا من المواجهة، وكلّ ما يعتمل في قلبِ طفلٍ خائف من العقاب. "قلبُ طِفل لـ هرمان هيسّه... كما صُنِّفت رواية تقع في ما يُقارِب الـ 53 صفحة، قلبُ طِفلٍ ازدحمت بِهِ الوصايا والأخلاق مع حبِّ المُغامرةِ والاكتشاف، فأنتجت صِراعا عاشهُ الطِّفل ألقى بِظلالِهِ على يوميه الّلذين تدور فيهما الرواية، قلبُ طِفلٍ صورةٌ أُخرى لتأثير الأب/ الرّب والرّغبةُ والرّهبة. تتلمس المقاربة منذُ البداية ففي الصفحة 8 وعلى لسان الطفل يقول: "لكنّ المدخل والعُتمة يأتيانِ في البداية ولهما من أبي شئٌ ما، شئٌ من السُّلطانِ والهيبة، شئ من العقابِ والضّميرِ الآثمِ. آلاف المرّاتِ مررتُ بهما ضاحِكا ولكنّ أحيانا أُخرى دخلتُ وقد شعرتُ على الفورِ بالانسحاقِ والضآلةِ والخوفِ، فأُسرِعُ إلى السُّلمِ الّذي يمنحني الحُريّة". كان الطفل قد قصد والده ليشكوه اعتلال مزاجه، صعد للمكان المهيب في المنزل بعدما حاصره الضِّيق من فعلٍ سيِّئ لم يقترفه بعد، صعد ليتوب إلى والِده، ويعترِف بأي خطأٍ كان ليتلاشى ذلِك الإحساس، وهنا صورة أخرى لانعكاس صورة الأب، فعلى لسان الطّفل يقول: "في أيّامٍ مثل هذِه تنعكِسُ أيّ خيبة واضطراب في نفوسنا على ما يُحيطنا وتشوّهه، ويقبض القلق والارتِباك على قلوبِنا، فنبحثُ عن السّببِ المُفترض، فنجده خارِج ذواتنا، إذ أنّنا نرى العالم سيِّء التّنظيمِ ونُلاقي ما يعيقنا في كلِّ مكان". بين فقدِ الأملِ والإحساس بالارتياح، ترنّح الطِّفل عندما لم يجد والدهُ في مكتبِه وغُرفتِه، وكعادةِ الأطفال وحبّ الاكتِشاف. لم يشأ الطِّفل أن يخرُج دونما جديدٍ يعرِفهُ عن مخبأِ والِده، قلّب بعض الأشياء، وهاتِف الشُّعور بالخطيئةِ يعوي داخِله. رأى مجموعة دبابيس وريش أقلام، ودون أيِّ حاجةٍ أخذ اثنين منها ودسّهما في جيبه، ربّما كان الأمر تلبيةً لهاتِف الشِّرِّ ذاك، قلّب الكثير ولم يجد ما يُجدِ هُناك. فكِّر هُنيهة أن يُعيد ما أخذ لكي لا يُثقله الإحساس بالذّنب، لكنّه قبل أن يخطو تلك الخطوة امتدّت يده لأحد الأدراج، تمنّى لو يجد شيئا يُرضي غرور طفولتِه، وفِعلا وجد "قِلادة كامِلة من تينٍ أصفر مغطّىً بالسُّكّر" بنهمِ الطّفولةِ أخذ يكنِز جيوبه منها، إلى أن تناقصت للنِّصف، وبسذاجةِ الطّفولةِ وذكائِها قرّر توزيع ما تبقّى في القِلادة لكي لا يبدو الفارِق كبيرا بين قبل وبعد الانتشال. سريعا خرج بعد صيده الثّمين من التِّينِ المجفّف، خبّأ ما تبقّى في خزانة كُتُبه، وانضمّ إلى مائِدة الغداء الّتي نودِي لها, وفي نفسه كما جاء في الرواية كان يردد: "كلّهم ذوي وجوه مُشرِقة كريمة يطغى عليها الحبور وأنا فقط المُجرِم الوحيد، جلست يائِسا بينهم وحيدا غير ذي قيمة خائِفا من كلِّ نظرةٍ ودودة، ما زال طعمُ التِّينِ في فمي، هل أغلقت باب غرفة النّوم في الطّابِق الأعلى ؟ هل أغلقت الدُّرج؟" تأخّر الطِّفل عن درسِ الرِّياضة لانشغالِه بهاجِس الذّنب وسرقته، تفاقمت الفِكرة في ذِهنه إلى أن سيطرت عليهِ تماما، ولم يستطع الفكاك منها أبدا، ففي كُل لحظة يتوقّع أنّ المُصيبة حلّت وأنّ والدهُ اكتشف جريمته، فيبدأ سيناريو العِقاب والتّأنيب. لم يستطع كبح جِماح ذاك العذاب، فخرج من البابِ الخلفي هارِبا، ابتعد كثيرا عن المنزِل، وكان كلّما ابتعد يظن أنّه قريب وبالإمكان الوصول إليه .. اِبتعد كثيرا لكن أعادهُ شِجارٌ حدث بينه وأحد زُملائِه، شجارٌ فجّر فيه الطِّفل جامَ غضبِه وقلقِه وطاقتِه، عاد بعد ذلِك إلى المنزِلِ في وقتٍ متأخِّرٍ ملطّخا بالدّمِ ممزَّق الثِّياب ..عاينتهُ أمّه واعتنت بِهِ ..وانتهى اليوم.. تخلّل يومهُ ذلِك الكثير من الإحساس بالذّنب وتمنِّي الموت والحِقد على الكِبار، وكُره الأب وحبِّهِ في آن...في اليوم التّالي والّذي كان يوم أحد.. استيقظ الطِّفل بمزاجٍ أفضل بكثيرٍ من يوم الأمس، إذ كان وقع الإحساس بالذّنب أقل على روحِه. تناول إفطارهُ مع والديهِ وأخواتِه، وذهب للكنيسةِ معهم، كان الهاجس يتردد عليه بحدّة أقل، غذ يقول: "كنتُ أطوي يدي كذِبا، وأتّخِذ الوضع التّقي كُفرا" كان يوما في مجمله خفيفا استعاد فيهِ الكثير من الحياة، بعد عودتِه من الكنيسة دخل لغرفتِه يسقى النّباتات ويرعى الفراشات. وفجأة فُتِح باب الغُرفة، لم يكترِث في بادِئ الأمر بذلِك غير أنّه حالما أحال رأسه ليرى الدّاخِل تفاجئ بوالِده.. تعاقبت على روحِهِ مشاعِر كثيرة كان قد تحلّل من أكثرِها، ولم يشأ لها أن تُعاد ثانيةً، فكرِه والدهُ "حدّقتُ في أبي مصعوقا ، لقد كرهته، لمَ لمْ يأتِ البارِحة؟.. فلستُ الآن مهيّأ لذلِك" تقدّم الأبُّ باتِّجاه خزانة الكُتُب، وأخرج عدّة أقراص من خلف الكُتُب.. وسأل الطِّفل عن مصدرِها.. تفنّن الطِّفل في ابتداع قصّةً التِّين، فأخبر والدهُ أنّه اشتراها وصاحبه من أحد المتاجِر، وعن المال قال أنّه اشتراها بما جمعهُ هو وصديقه من "بنك التّوفير" الّذي كان بالمقرُبة من الطِّفل في غُرفتِه، وعن قيمة التِّينِ واسم المحل أجاب الطِّفل بتفنُّن .. طلب الأب من طِفله أن يرتدي قبّعته ليذهبا للمتجرِ، فيتأكّدا من صِدقِ ما يقول.. تناول الطِّفل قبّعته، لكنّه استأذن والده للدّخولِ إلى الحمّام لدقائِق .. تمنّى الطِّفل أن يموت أو تحدُث مُعجزة تُثني والدهُ عن هذِه الخطّة، لكنّ شيئا من ذلِك لم يحدُث "لو كان باستطاعتي أن أموت الآن، مكثت دقيقة فاثنتين، لم يكُن ذلِك مُجديا". دقائِق وخرج لوالِده.. ذهبا للمتجرِ.. في الطّريق تذكّر الطِّفل أنّها يومُ أحد، أي أنّ المتجر مُغلق.. سُرعان ما حدّث والدهُ بذلِك.. وببرودٍ وهُدوءٍ موجِع تدارك الأب.. أن حسنا لا بأس سنذهب إلى بيتِ صاحِب المتجر. في الطّريق حاول الطِّفل الحِفاظ على رباطةِ جأشِهِ ..وقريبا من منزِل صاحِب المتجر .. توقّف الطِّفلُ عن الحِراك ..فتوقّف الأبُ مستفسِرا .. قال الطِّفل أنّه لن يدخُل لمنزِلِ صاحب المتجر، فهم الأبُّ الأمر.. وعادا أدراجهما .. صبرُ الأب وهدوئِه كانا يُعذِّبانِ روح الطِّفل تمنّى لو عنّفه، لو ضربه، لو فعل فيه أي شئ، فهذا الهُدوء والصّبر يشدُّ من أعصابِهِ ويزيد من توتُّرِه.. ويقوِّي الإحساس بالذّنب، و كُره الطِّفل لوالِده، فكما جاء على لسان الطفل: "..لقد كان مهذّبا أكثر مما ينبغي، وصالِحا أكثر مما ينبغي، لا يُخطِئ أبدا.. كان يجعلني دائِما أشعُر أنِّي ضئيلٌ بائِس" حالما وصلا إلى المنزِل .. كان الأبُّ إلى ذلِك الوقت مُحتفِظا بهدوئِهِ.. سأل الطِّفل وأجابه بإيماءةٍ من رأسِه.. عوقِب الطِّفلُ بالاحتجازِ في غُرفةٍ مُغلقة، ولكن العقوبة فقدت جُزء من هيبتها ، فقد تعرّف الطِّفلُ في تِلك الغُرفة المُظلِمة المُغلقة على مجموعة من الكُتُب راح يقرأ فيها. جاءت الرواية كلّها عبارة عن مونولوج داخلي للطّفل، يسرد فيه الهواجس التي تعاقبت عليه حيال الموقف، وكتدليل على المقاربة بين السّلطتين جاء في الرواية على لسان الطفل: "..يا إلهي ..تلك كانت رائِحة القسوةِ والقضاء والمسؤوليّة.. رائِحةُ الأبِ والرّب"، كما كان يرى الطّفل في التعاليم التي يملونها عليه وفي رغباته المكبوتة تناقضًا يُلقي بظلاله على تقييمه لذاته "إذ كانت منذُ ذلِك الوقت التِباسا في تقدير قيمتي وتذبذبا بين الثّقةِ بالنّفسِ وانعدامِ الهمّةِ، بين ازدراء مثاليٍّ للعالم وحبِّ الملذّات المألوف"، ويعنِّف نفسه في موضعٍ آخر قائِلا: "..لأنّهم كانوا يعرفون مشاكساتي الصّبيانية فحسب، ولم يعرفوا عن فسادي" يحكي الطّفل في بعض السّطور طبيعة تعامل الكبار مع الأطفال، وكيف يفسّرها الأطفال، وكيف تؤثِّر مثل تلك التعاملات على نفسياتهم:" فالكبار كانوا يتصرّفون وكأنّ العالم بلغ الكمال وكأنّهم أنصاف آلهة، أمّا نحنُ الصِّغار فلسنا سوى حثالة ..." وأيضًا " لقد سننتَ قوانين لا أحد ستطيع الالتزام بها، وخُلِق الكِبار ليجعلوا الحياة جحيما لنا نحنُ الأولاد" في هواجس الطّفل ومخاوفه تتعمّق "قلب طفل" في علم النّفس وتأثير المحيط على نفسيّة الأطفال خاصةً المقرّبين منهم، الملفت في الأمر أنّ الأم في "قلب طفل" كانت بردًا وسلامًا على قلب الطّفل ورغم ذلك هيبة الأب وطلب اللجوء إليه كان أكثر ما يعزِّز الطّفل، إذ يقول في السّطر السادس عشر: "... ولكن الحصول عليها من الأب يُضفي عليها قيمة أكبر، إذ أنّها تعني سلاما مع الضّمير الرّادع، ومُصالحة وميثاقا جديدا مع القوى الخيِّرة"، يرى الطّفل في والده انعكاسًا لصورة المؤمن في ربّه، فهو يقول: "...فباستطاعته_أي والده_ رؤية كُل شئ..." في خوف الطّفل من المواجهة انعكاساتٌ أُخرى، فهاهو يحدِّث نفسهُ بالموت في قوله: "ولكن لنفترِض أنِّي لم أعد إلى البيت؟ في النِّهاية قد يحدُث لي أمر ما، قد يُدقّ عُنقي أو أغرق أو أسقُط تحت عجلات القِطار، وعندها سيكون كل شئ مختلِفا، عندها سيحملونني إلى البيت، وسيكون كل شخص هادِئا خائِفا باكيا، وسيشعرون جميعا بالأسفِ ولن يُقال أي شئٍ عن التِّينِ أبدا"، كما أنه عنّف نفسه في مواضع أُخرى وتمنّى الموت: ".. رغبة جامِحة مُهلِكة تملؤني، ولم أُفكِّر وأرغب وأشتاق لشئ سوى أن تحطّمني العاصِفة الرّعديّة في الحال، وأن تنزل بي المُحاكمة وأن يصبح الرّعب حقيقةً وينتهي خوفي الشّديد". يختصر هيرمان هسّه حالة الطّفل وما تناوب عليه من هواجس وأفكار في حملته على لسان الطّفل: "قد تكون هي المرة الأولى في حياتي التي شعرتُ فيها، إلى حد الفهم والوعي تقريباً كيف أن كائنين بشريين حسنا النوايا يستطيعان تعذيب بعضهما تماماً وكيف يكون في قضية كهذه كل الكلام وكل المحاولات الحكيمة وكل العقل مجرد إضافة جرعة من السم وخلق عذابات جديدة وفتح جروح جديدة وارتكاب أخطاء جديدة، كيف يكون ذلك ممكناً، لكنه كان ممكناً، إذ كان يحدث، وهو جنون وسخف وتهور مناف للعقل لكنه كان كذلك"

الاثنين، 13 مايو، 2013

إضاءة في حياة الطّائي ونِتاجه: (طائِر الشّعر والرّحيل: عبدالله الطّائي إنسانًا ومبدعًا)

تُشكِّل تجربة الأديب العماني الرّاحل عبدالله الطائي ( 1924_1973م) إحدى التّجارب العمانيّة المعاصرة الرائدة في مضمار الثّقافةِ والمعرفةِ والفِكر، إذ كانت مسيرة حياته حافِلة بالعطاءِ والمثابرة الدؤوبة لإثراء المشهد الإنساني، وذلك من نِتاجهُ وإسهامه في المجال الإعلامي والثّقافي والتّربوي في عُمان والبحرين والكويت والإمارات، وقد جاء كتاب (طائِر الشّعر والرّحيل: عبدالله الطّائي إنسانًا ومبدعًا) حصادًا لندوةٍ ثقافيّة كان النّادي الثّقافي قد خصّصها لعبدالله الطّائي ضمن برنامج " من أعلامنا" والتي أُقيمت خلال الفترة 29_30 مايو2011. تناول كتاب (طائِر الشّعر والرّحيل: عبدالله الطّائي إنسانًا ومبدعًا) بعد كلمة النّادي الثّقافي، وكلمة عائِلة الطّائي ثمان أوراقٍ، حملت محاور متنوِّعة، حيثُ تناول في البِدء أحمد الفلاحي (عبدالله الطّائي: وقفات سريعة في محطّات من سيرته الخصبة) تحدّث فيها عن سيرة الطّائي الزّاخرة متقصِّيًا أداور حياته ومنعطفاتها المفصليّة متناولا فيها الطّائي إنسانًا بكلِّ تعالقاتِ حياته السياسيّة والثّقافيّة بإيجازٍ وتكثيف. فيما تطرّق الدكتور غالب المطّلبي لـ (وعي السّرد عند عبدالله الطّائي: محاولة في فهم خطوة الرِّيادة في قصّة المغلغل) متناولا نِتاج الطّائي في مجال السّرد مركّزًا على قصّة المغلغل بتحليلِ وإضاءةِ ادواته في العمليّة السّردية، المتمثِّلة في: الشّخصيّة المحورية، والبيئة المحيطة، والحوارِ، والسّارد. مُشيرًا بعد تحليل القصّةِ وتفنيدِ عناصرها إلى أنّ قصّة "المغلغل" قصّةٌ رائِدة تستحق الاحتفاء الحقيقي بها بوصفها خطوة تُحسب لصاحبها بقصد فتح نافذة على أُفقٍ جديد تحتاج إليه رئة الأدب العماني المعاصر، إذ كان الكاتب فيها على وعيٍ متقدِّم بالسّرد ووظائِفه. (عبدالله الطّائي روائيًّا)هي الورقة الثالِثة في الكتاب للدكتور كامل العتوم والدكتور سعيد العيسائي، تناولت هذه الورقة جهود عبدالله الطائي الروائيّة المتمثِّلة في روايتيه: (ملائكة الجبل الأخضر، والشّراع الكبير)، واللتان حسب تقديم الباحثين لها تحملان تشابهًا كبيرًا من حيث المنحى الفكري والبناء الفنِّي، كما أنّ كليهما تقع ضمن الروايات ذات الاتِّجاه القومي من حيث الموضوع، والتاريخي من حيث البناء، عكست الروايتان إيمان الطّائي بالنِّضال من أجل تحقيق الحريّة والوحدة. تناول الباحثان في ورقتهما روايتي الطّائي بالتحليل والنّقد، مؤكّدان أنّ عبدالله الطّائي يُعدُّ من كتّاب الرواية الرّوّاد في الخليج العربي، إذ تعدُّ جهوده من الجهود التي تكشف عن مراحل تطوّر الرواية التاريخيّة العربيّة ذات الطّابع القومي، متعجّبانِ من تجاهل بعض الدراسات لدور الطّائي في نشأة الرّواية العربية. و(تاريخ عمان السّياسي لعبدالله الطائي) التي قدّمها سماء عيسى هي الورقة الرابعة، وقد انطلق سماء عيسى في ورقته هذه من قراءة لإصدار عبدالله الطائي " تاريخ عمان السياسي"، هادِفا إلى تبيان توجّه المؤلف إلى تأكيد الانتماء العربي لعمان، معارِضًا بذلك أيّة دراسات أخرى قدمت الوجود العربي كوجود لاحق لجناس وأعراق سبقت العرب في استيطانها وحكمها؛ وذلك من خلال حادثة انتصار العمانيين على البرتغاليين في المعركة التي تم فيها الاستيلاء على حصني الجلالي والميراني في مستهل عام 1649م، وحادثة انتقام الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي من الفُرس. يُضيئ سماء عيسى في ورقته جوانب من كتاب الطّائي، ومنهجه في تناول الحوادث وتشذيبها من الأسطوري منها والبعيد عن الحدوث، فيعمد سماء عيسى إلى تبيان الآلية التي اتّبعها الطائي في كتابه حيث كان وعيه بتسلل الذاكرة الأسطورية إلى الذاكرة التاريخيّة عبر الأساطير المتراكمة وارِدًا، تلك الأسطوريّة التي تدحل في سياق الحدث التاريخي دونما مساءلةٍ واستجواب. وتحدّث حسين بن راشد الصّباغ في ورقته (عبدالله الطائي من أعلام الأدب والفكر العماني مع إطلالة تاريخيّة وحضاريّة لعمان) عن التّاريخ العُماني في البدء؛ خصوصًا تاريخ دولة اليعارِبة وتوغّلها في شرقِ إفريقيا، مادًّا جسور حديثه إلى ضِفةِ الطّائي وعلاقته بِه في البحرينِ والكويت، متحدِّثًا عن وشائِج التواصلِ والوصالِ بينهما، وتأثيرِ الطائي عليه وتعريفه على العوالم الثقافيّة، إذ يؤكِّد في سطوره أنّ الطائي في مختلف ميادين نشاطه كان لسان بلاده حاضِرًا، فقد كان يسعى للتعريف ببلاده أدبًا وثقافةً وفكرًا وتاريخًا. كما كان نافذةً مفتوحة على جميع الأفكار في مختلف مراحل حياته، وشخصيّةً تتمتّع بوجهٍ مشرقٍ وضّاء ذو ابتسامةٍ عريضة وقلب حي نابِض بالحياةِ الخلّاقة، شخصيّة متواصلة مع الجميع ثقافيًّا وأدبيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا. ورقة الصّباغ تناولت الطّائي الإنسان مضيئةً جوانب علاقته الشّخصيّة والأدبيّة به. فيما أضاء سالم بن محمّد الغيلاني (دور عبدالله الطائي في مجال التّعليم)، إذ يذكُر الغيلاني في ورقته بدءًا (عبدالله الطائي أحد روّاد النهضة الثقافيّة) مؤكِّدًا أنّ اهتمامات الطائي المتعدِّدة جعلت منهُ أحد الرّموز التي أفنت الكثير من عمرها في خدمةِ النّهضة الثّقافيّة والتّربويّة ليس في عُمان وحسب بل على مستوى الخليج، فالطّائي لم يحصر نتاجه الثّقافي والفكري والتّربوي على عُمان؛ بل مارس خبراته في الكويت والبحرين وأبو ظبي، عارِجًا على المناصب التي تقلّدها الطّائي في دول الخليج، وعلى جوره الفكري في النّهضةِ الخليجيّة. وركّز فيما بعد الغيلاني على دور الطّائي في النهضة التعليمية والثقافيّة، حيثُ قسّم دوره إلى مرحلتين الأولى مرحلة عمله داخل عُمان والتي ابتدأت منذ 1970م، حيث عمل في البدء معلِّمًا في ( المدرسة السّعيديّة)، والثّانية مرحلة عمله خارج عُمان، والتي أسهمت بشكل كبير ولو عن بُعد في تأصيل الكثير من القيم والمُثل والأفكار التي ساهمت في إيقاظ الوعي الفكري والثقافي في عُمان، كما أنّ كتاباته في الصّحف الخليجيّة أثناء تغرّبه كانت تحمل في فحواها استنهاضًا لهمم العُمانيين وبثِّ روح الوطنيّة في نفوسهم، كما أسهد الطّائي في تقديم الأعلام العمانية في الصّحف والإذاعات الخارجية من خلال المقالات والدراسات التي كتبها، سواء في إذاعات الكويت والبحرين والإمارات أو في صحفها ومجلاتها أمثال: الشّاعر الكندي، وأبو مسلم البهلاني، وهلال بن بدر، والمؤرّخ ابن رزيق ومحمّد بن شيخان والشّيخ السالمي، وبعض الإصدارات والمؤلّفات العمانيّة، كما أنّ نتاجه الشّعري كان يؤكِّد حضور عُمان في الخارِج. ويؤكِّد الغيلاني في ورقته من خلال بعض الأمثلة إلى دور عبدالله الطائي كمفكِّرًا عمانيّا أصيلًا كان له دور بارز في النّهضة التعليميّة والثقافية والفكرية في عُمان، سواء داخل عُمان أو في الدّول الشقيقة خاصّة قبل 1970. وخصّص الغيلاني محور ورقته الأخير عن (رسالة الطّائي نحو العُمانيين) والتي عزّزها باستشهادٍ لرسالة أرسلها الطائي كان الدكتور محسن الكندي قد أدرجها في مرجعه الكبير عن عبدالله الطائي والتي بعث بها لمدير البعثات بوزارة التربية والتعليم العراقية يطلب فيها تخصيص خمسين منحة دراسية لأبناء عمان للدراسة في معاهد العراق، هكذا كان الطائي يسعى لأبناء عُمان. (شاعريّة الطّائي من الهمِّ إلى النّفق) للدكتور محمّد بن مسلّم المهري هي الورقة السّابعة في الكتاب، وقد تناول المهري في ورقته شاعريّة الطائي معتمدًا على كثافة النصوص التي أبدعها الشّاعر في جانبٍ دون آخر، ثمّ تاريخ النصوص التي قيلت في الجانبين، قسّم الورقة إلى الهمِّ والنّفق استنادًا لذلك، كما أنّه في تناوله لـ الهمِّ قسّم المحور إلى: الهمِّ العامِّ والهمِّ الخاص، وفي الهمِّ العامّ تناول المهري التوجّه العام للشاعر توازيًا مع التّوجه القومي الذي ساد في تلك الفترة (فترة الخمسينيّات والستينيّات من القرن المنصرم) نظرَا للطروف التي مرّات بها الأمّة خصوصًا ظرف الاستعمار، ووضع فلسطين على وجه التّحديد، مستشهدًا بأبياتٍ للطائي شارحًا لها. أمّا الهمُّ الخاص فخصّصه المهري لكلّ ما يتعلّق بشخص الشّاعر سواء أكان الوطن أو الأهل أو ذات الشّاعر وأحاسيسه الوجدانيّة. أمّا شاعريّة الطائي في جزء (النّفق) فقد تناولها المهري استقراءً لإنتاج الطّائي، وعن فكرة النّفق يذكُر المهري: إذا كان النّفق سرب في الأرض مشتقٌّ إلى موضع آخر، فإنّ شاعرنا اختاره لسكناه في الأيام الأخيرة من عمره رغم قساوة الأمر اخذا بالمقولةِ " بطن ألأرض خير له من ظهرها"؛ لما يراه من عجائب الأمور وتبدّل الأحوال أو لعله رأي الأجل الذي اقترب ولم ينجز مهمته التي ندب لها نفسه منذ عشرات السّنين، وهو لمّا يضع بعد كمسؤول خطته الكاملة لرقي ( عمان) التي عاش من أجلها وقضى سبيلها. وجاءت الورقة الأخيرة بعنوان (صور المرأة في أدب عبدالله الطّائي) للدكتورة سعيدة بنت خاطر الفارسيّة، ومن خلال محاور عدّة تحرّت الدكتورة سعيدة في ورقتها الصّورة المتشكِّلة وفقًا للرؤى الذّهنيّة والفكرية للطّائي وليست الصّور البيانيّة من استعاراتٍ وتسبيه وكنايات، تؤكِّد الورقة أنّ الطائي لم يهدف في شعره إلى رسم شكل حسِّي للمرأة، بل إلى تناول واقع المرأة وتفاعلها مع حركة المجتمع ودورها في هذه الحركة سواءً أكان سلبًا او إيجابًا، وبناءً عليها حاولت الدكتورة استخلاص صور المرأة في شعره، فتناولت صورة المرأة في أدبه من خلال سماتٍ عدّة ومواضيع متنوِّعة تناول فيها الطائي المرأة أبرزها: التناغم والانسجام والتّوحد، والإيجابيّة والمثاليّة، وشرعيّة الحب للمرأة، والمرأة بطلة للنّص وإن تضاءل دورها في الحدث، والتّعليم والإبداع، كما ساقت أبرز نماذج صور المرأة لدى الطّائي كصورة الأم، وصورة الزّوجة وصورة الحبيبة. وتلخِّص الدكتورة ورقتها بقولها: صورة المرأة في أدب الطائي صورة إيجابيّة إنسانيّة تحرّريّة، تحمل صفة اجتماعيّة-واقعيّة، مؤديةً دورها في عملية الإنتاج الاجتماعي.

الأحد، 31 مارس، 2013

العقل الباطن كنزٌ تردمه مخاوف الوعي

العقل الباطن كنزٌ تردمه مخاوف الوعي







كتاب العقل الباطن لجون كيهو لا يختلِف كثيرًا عن مثيلاته التي ناقشت مثل هذه القضايا، وهي عديدة وكثيرة، ربّما يكون هو أقرب لـ "السّر" لـ روندا بايرن، يتقاطع الكتاب أيضًا مع كتاب د. علي الوردي " خوارق اللاشعور" في بعض النُّقاط.
اللافت في " العقل الباطن" ترجمة مصطفى دليلة أنّ لغته قريبة وشفيفة، لا تكلّف فيها، كما أنّه يطعّم فصول الكتاب بالحوادث والإثباتات المعاشة. الكتاب ينبُش في طاقات العقل الباطن، ينصح بالتأمُّل والاستقراء، ويتحدّث عن تأكيد الأمنيات لتصبح واقعا، وفائدة التخيُّل، وقدرته على المُساعدة بشكلٍ فاعِل في تحقيق المرجو.
الكتاب ليس ببعيدٍ عن المستجدّات العلميّة، رُغم قربه من جوهر الإنسان إن استطعنا أن نسمِّيها "روحا"، يُحاول الكتاب كذلك أن يُعيد الإنسان ويلفت انتباهه إلى شيء مُهم ربّما غاب عنه في زمن الماديّات وتحكّم الآلة ..يُحاول إعادته لطاقة هائِلة داخله لو استغلّها لحقّق الكثير مما يرجوه.
كما أنّ اللافت في طريقة عرض الكتاب أنّ لغته سلسة متناسبة مع فئات عدّة، وهي لغة محفِّزة؛ تستنهض الكثير من الأفكار وتدفع للتّجريب، يقول المترجم إن فكرة الكتاب جاءت ترجمة وتجميعاً لفلسفة وآراء مجموعة من كتاب وفلاسفة ورجال أعمال أمريكيين عظام في منتصف القرن العشرين، مؤسسي ومبدعي فلسفة النجاح أمثال ديل كارينجي ونابليون هيل وغيرهم. لكنه طبعه بطابعه الخاص وخبرته الشخصية وأبحاثه التي قام بها خلال العشرين سنة الأخيرة من القرن العشرين. جميع موضوعات هذا الكتاب جذابة وتستأثر بذهن القارئ وعقله، ولا بد أن تولد ذبذبات طاقة تحث العقل على التفكير والعمل.
يقع الكتاب في 19 فصلا ..جاء الفصل الأول منه بعنوان (وجهة نظر أخرى عن الواقع) وفيها يتحدّث جون كيهو عن تأثير العقل الباطن بشكلٍ عام كتمهيد لما يحويه الكتاب ولما سيتركه من أثر في نفس القارِئ.
وكما يقول "فإنّ عالمنا الداخلي حسّاس جدًّا، وبتفاعله مع العالم الخارجي تنتفي الفُرص لدينا لإدراك القوة التي نملكها، ومن سخرية القدر ان الإنسان يبدأ بتغيير الواقع الموجود فيه في اليوم والسّاعة والدقيقة التي ينتفي فيها تأثّره المستمر بهذا الواقع" هذا ضمن ما جاء في الفصل الثاني من الكتاب المعنون بـ (الوعي) وقد افتتحه بـ ( فكّر وكأن كل فكرة من أفكارك مكتوبة بأحرف مضيئة في السّماء ليراها الجميع" من كتاب الحكمة "الميرداد")، فالوعي الداخلي عبارة عن قوّة هائلة نحسّ بها في كل ناحية من نواحي حياتنا، وعليه يرتكز نجاحنا وفشلنا، كما ركّز جون كيهو في هذا الفصل على "الأفكار" بكونِها ليست مجرّد هاجس عابر إنّما تتشكّل ماديًّا، لذا دعا في هذا الفصل إلى التركيز على الأفكار الإيجابية الناجحة التي تجعل من الإنسان منتجًا، مؤكِّدًا على وجوب مراقبة الأفكار وتوجيهها شطر النجاح، فهو لا يعزو فشل المرء وإخفاقاته للظروف والبيئة المحيطة، بل يؤكّد أن الأفكار هي الوحيدة القادرة على إعاقة أي نجاح وتحطيم أي طموح، لذا يرى انّه على المرء تغذية حياته بوعي وطاقة ناجحة دون النّظر للظروف المعاشة سابقًا وحاضرًا.
(الاستبصار أو التمثيل الفكري)
وهو فصل يدعو لتفعيل الخيال بكلِّ إمكاناته.. أي تخيُّل الوضع المُراد تحقيقه ومعايشة الأفكار لكأنّها حقيقة، فالتخيُّل من أفضل الإمكانيات الديناميكيّة للإنسان إذا استطاع أن ينظّم نفسه جيدًا، يأمر جون كيهو المتلقّي في هذا الفصل " فكّر أكثر بأشياء تقوم بعملها أو تقتنيها، وليس بأشياء قد تحدث أو لا تحدث".. مؤكّدًا أنّ الواقع الذي نرسمه بأفكارنا ونفكّر فيه باستمرار سيصبح مسرحًا لأهدافنا وأشكالنا المليئة بالطاقة، إن هذا " الفيديو" هو قوّة حقيقيّة ستعمل مع الوقت لصالحنا.
يقول ليليان وايتنغ "عندما يكون الشيء أو الهدف موجودًا كفكرة، فإن تحقيقه في شكلٍ محسوس ومرئي عائد للزمن فقط، التخيّل دائما يسبق التنفيذ"، وفي الفصل الرابع (غرس الأفكار) يذكر كيهو شروط للاستخدام الناجح لطريقة غرس الأفكار وذلك عن طريق التشبّع بالفكرة في امتلاك ما يريد المرء، والإيمان بالحصول عليه، وممارسة ذلك بشكلٍ منتظم يوميًّا وبلا انقطاع لمدة خمس دقائق على الأقل.
يفتتح فصل (التأكيد) بمقولة لـ برايس ماردن " إمكانيات التدريب الذهني غير محدودة، ونتائجه أبدية، لكن قلّة فقط هم الذين يستطيعون توجيه أفكارهم بالاتجاه السّليم، الذي يوفّر لهم النجاح، ويجري كل شيء في العادة بشكلٍ عشوائي"
مؤكدًا أن هذه الطريقة قد اُستخدمت خلال آلاف السّنين في الأديان والسحر على شكل صلوات وإيماءات، وتستخدم الآن أنماط مختلفة من البشر لعقد الصفقات العلمية، والتخلّص من الأمراض المختلفة، والتعرّف على أناس جدد، والفوز في المسابقات.
فالمرء حالما يؤكّد على الأفكار إنما هو يؤثّر عليها، ويدفع بها للتحقّق مشترطًا وجوب التأكيد الإيجابي دائِما بعدم استخدام جمل النّفي كـ " أنا لا أقلق" إذ ان العقل غالبًا يُسقط أدوات النّفي ويركّز على الصّور الهدامة، ووجوب قصر جُمل التأكيد، كما أنّه يرى أن لا أهمية لموضوع الإيمان بالتأكيد، فمع الوقت سيأتي لا يجب التّركيز على هذا الأمر.
في فصل ( الإدراك) يلفت جون كيهو انتباه القارئ إلى خطأ شائع يقوم به الكثيرون، إذ يحتفون بنجاحاتهم بشكلٍ مؤقّت، وسرعان ما يتلاشى الإحساس بالنجاح ليبدأ التركيز على تحقيق أهداف جديدة، يهدر المرء هنا طاقة هائلة مخصصة للنجاح بغرسه فكرة عدم تحقيق شيء والتركيز على ما لم يتم إنجازه بعد، إلا أنه يمكنه إعادة استخدام طاقة النجاح في الإنجازات السابقة، وتحقيق نتائج مذهلة عن طريقها، فكل نجاح يليه نجاح آخر إن واصلنا نجاحاتنا ببعضها وأقررنا على الدّوام بوجود إنجازات في حياتنا.
العقل الباطن ( اللاوعي)، يؤكِّد جون كيهو في كتابه بالمزيد من التّحفيز على مقدرة العقل الباطن في صُنع ما نظنه معجزات، يكفي أن نفكّ رسغ العقل الباطن من العقل الواعي الذي هو سبب للكثير من التأخُّر والتردُّد والفشل، فالعقل الواعي يُسيِّج الكثير، يكون كصاد لذبذبات العقل الباطن ومؤطِّر لها.. العقل الواعي هو العقال الذي يمنع الذي يحول دون انطلاق العقل الباطن، لذلك عند التنويم المغناطيسي مثلا، وبما أنّ العقل الواعي حينها يكون مُحالا للتنويم فإنّ العقل الباطن ينشط إلى درجة يُمكنه تذكُّر ما لا يستطيع أو ربّما نستطيع القول ما يعجز عنه العقل الواعي، يذكُر الكاتب حادثة طموحه في تغيير وضعه، وقد كان يتخيّل طرق التغيير ويعيشه في خياله .. وهذا ما يؤكّد أنّ له عظيم الأثر في تحقّق ذلك التغيير وبلوغه لما أراد.
في فصل (الحدس) يستحضر كيهو حوادث ومواقف لنجاحات كان الحدس هو سببها، فحالما يستمع الإنسان إلى صوته الداخلي فإنه يتوصّل لحلولٍ سليمة، ويقترح أفكارًا مبدعة، وينظر للأشياء بعمق أكبر، يرى كيهو أن الدماغ البشري ليس سوى قطعة من مجسّمة هائلة، وكل جزء من هذه المجسّمة يحوي الكل، فالوعي من الممكن أن يشمل الخبرة الشخصيّة والمعارف في الوقت الذي يرتبط فيه العقل الباطن بنظام كامل يسمح بالدخول إلى بنك المعلومات المخزّنة لدى المرء، وبالإمكان الدخول إلى بنك المعلومات ذلك عبر الحدس.
(الأحلام) في هذا الفصل يتطرّق الكاتِب أيضًا إلى أهميّة الأحلام، وكيف أنّها رسائِل مشفّرة لا يُمكن إلا لمن اقترب من ذاته وتفهّم لها أكثر أن يفكّ شفرتها، الأحلام هي رسائِل المستقبل.. وهي كما يقول أحدهم أنّ الأحلام غير المفسّرة أشبه برسائِل لم تُفتح بعد، هي رسائِل رمزيّة، ينصح جون كيهو في كتابه بمراقبة الأحلام فهي لغة الرمز المنسية، كل جديد فيها تحول خفي للإنسان، ويرى كيهو أن الفهم الصّحيح للأحلام مفيد جدًّا؛ لأن الإنسان سيشعر آنذاك بالرضى والاطمئنان لحصوله على توجيهات وإرشادات من عالمه الداخلي، فتفسير الأحلام عبارة عن جدل مباشر بين المرء وعقله الباطن، فعندما يلم الإنسان بتفسير الحلام فإنه سيفهم وجود علاقة بينه وبين شئ ما موجود بداخله قادر على كل شيء.
يقول ابراهام ماكلو" إن مستقبل الإنسان موجود بداخله، إنه يعيش بداخله في هذه اللحظة" من خلال هذه المقولة يفتتح كيهو الفصل العاشر (الواقع)، فالواقع عملية متحوّلة وليست ثابتة، ولا يُمكن للأفكار أن تُحدث التغيير بشكلٍ مباشر هي عملية تراكميّة، لذا يجب تعضيدها بالأفكار الإيجابيّة لمدى بعيد ودائم.
(التركيز والتأمّل) انطلاقًا من فكرة ( كل فكرة هي قوة مسيطرة على الإنسان) يعرض كيهو محاسن التّركيز والتأمّل لتعضيد قوّة الأفكار بكونه طاقة تحتاج للمراس والتّدريب لتؤتي أُكلها، فمن خلال التركيز والتأمل يمكن للمرء التحكّم بأفكاره، مما يجعل الذهن أكثر صفوًا ونقاءً، إذ ان التأمل يشحذ العقل ويسمح له بالتعمّق ورؤية الأمور بوضوح أكثر مما تبدو عليه.
لا توجد ناحية من نواحي حياتنا إلا وللإنسان فيها نظرة وعقيدة وفي فصل (وجهات النظر وترسيخها) يوضّح كيهو كيف أنّ مصائر الإنسان هي نتيجة لمعتقداته وأفكاره، فكم من مرء آمن بـ ( الحسد) وأثره وتأذّى نتيجة ذلك الإيمان، وكم من مرءٍ آمن بفشله وعدم مقدرته فلم يبرح مكانه، في هذا الفصل يوضّح كيهو ترسّخ المعتقدات في العقل الباطن وتأثيرها على الواقع، فالعقل ماكِر وجاهِل في آن، لذلك يجب تعزيزه بالأفكار والمعتقدات الإيجابية لتمضي الأمور وفق ما يشاء المرء.
يتشكّل تقييمنا لأنفسنا من التخيّل الفكري لجميع المفاهيم التي تشكّلت خلال سنوات عمرنا كلّه، حيث ينطبع هذا التخيّل في العقل الباطن كليًّا لدرجة أنه يبدأ يعيش بذاته وننسى بكل بساطة أننا نحن الذين خلقناه وتاليًّا بإمكاننا تغييره وإعادة تشكيله، وفي فصل(تقييم الذّات) ثمّة نصائِح وخطوات لتعزيز الذّات والثّقة بها مما يدفع بالمرء إلى ترسيخ صورة ناجحة في العقل الباطن عن النّفس ليتترجم بعدها واقعًا معاشا.
(توجهات إبداعية) إن الإلهام والتخيّل ضروريان جدًّا في جميع نواحي حياتنا، والقوّة الإبداعية التي من الممكن أن ترفدهما هي قوة موجودة في كل إنسان بكونها جزءا لا يتجزأ من تركيبته، إلا أنّ البعض غيّب هذه الطاقة بفعل المحيط والأفكار السلبيّة المتأصّلة في اللاوعي، جو كيهو في هذا الفصل يذكر ست توجّهات إبداعية من الممكن أن تحسّن حياة الإنسان تتلخّص في: (كُن باحثًا، اِسأل كثيرًا، احمل كومة أفكار، اخترق القاعدة بكسر العادة، اسمح لخيالك بالعمل، اِملأ البئر) كل هذه التّوجهات تنصب في الخروج عن المألوف والتفكير بطرق جديدة ومبتكرة والتساؤل في المألوف والبحث فيه وعنه.
( لا مشاكل بل إمكانيّات فقط) في هذا الفصل يتناول كيهو ما يراه الإنسان مشاكل على أنّه إمكانات ضروريّة للتطوّر، معززًا نظرته للأمر بالكثير من المواقِف.
في فصل (طبّب نفسك) يُركّز كيهو على تأثير الأفكار في الاستشفاء وذلك بذكر بعض الحوادث والمواقف التي من خلالها تمكّن بعض المرضى من معالجة ذواتهم عن طريق الأفكار والإيحاء الذّاتي.
في (وعي الإنسان النّاجح) ذكر كيهو خمس خطوات لتوليد تفكير الإنسان النّاجح أوّلها "طوّر في نفسك عقيدة الإيمان بالنجاح" من خلال بعض المعتقدات الواجب الإيمان بها وتطبيقها كالعالم مليئ بالثروات، والحياة تحمل لنا دائِما السعادة والرضى، وكل ناحية من نواحي حياتنا مليئة بعدد لا متناهٍ من الإمكانيات والفرص، ونجاحي مرتبط بي فقط. والخطوة الثانية: ابحث عن الوفرة وجدها حالا؛ وذلك من خلال البحث والاجتهاد وتعزيز وعي الإنسان الناجح.
والخطوة الثالثة: كن واثِقا أن النجاح موجود في كل مكان، ما عليك سوى البحث عنه وتعزيز أفكارك وشحذ همّتك، أمّا الخطوة الرّابعة: اِسمع أشرطة تسجيل واقرأ كتبًا في تطوير الذّات، وانتمِ إلى جمعيّات وهيئات هدفها تحقيق النجاح.
الخطوة الخامسة: قارن نفسك دائما بأناس ناجحين سواء كانوا أحياءً أو أمواتا، فطاقة النجاح تخترقك باستمرار عندما تكون في مجتمع كالمجتمع الشبيه لمطامحك، فالمرء قادر على امتصاص هذه الطاقة بمجرد وجوده في بيئة كتلك.
(علاقاتنا المتبادلة) في هذا الفصل يتطرّق كيهو لطبيعة علاقات الأفراد بعضهم ببعض، وكيف يمكن لهم أن يتقبلوا الآخرين بكل عيوبهم ومزاياهم، وكيف يمكن أن نركّز على الجانب الإيجابي في علاقاتنا، وكيف أنّ تصوّراتنا عن الآخرين واعترافاتنا لهم من الممكن أن تؤثّر في سلوكهم وتعاملهم معنا، إذ نستطيع أن نشحذ الآخرين بقوّة وإيجابية من خلال نظرتنا وتعاملنا معهم.
(ثابر على تجربتك وستتخطّى النتيجة كل التّوقعات) في الفصل الأخير يؤكّد كيهو كيف أنّ المثابرة والتأكيد بالأفكار الإيجابية وغرسها والاعتناء بها كيف لكل ذلك أن يصنع إنسانًا ناجحًا، لكن ذلك كلّه لن يكون إلا بالتمرين والممارسة والتأمّل واستغلال الطاقات الكامنة في النفس البشريّة.
الكتاب في مجمله هو نبش في حقيقة الكنز المجهول في باطن كل إنسانٍ منّا، الكنز المردوم بالكثير من الطبقات المخشي أن تكون قد التصقت به، كل ما على الإنسان أن يعي لأهميّة اللاوعي ويعزّزه بالتفكير الإيجابي، كما أنه تجدر الإشارة إلى أن المخاوف وتدخلات العقل الواعي هي من ألد الأعداء للعقل الباطن وتجليّاته، إذ تُحدث تشوّشًا لصفائه مما يجعل المرء بعيدًا عن كنزه، العقل الباطن مكمن النجاحات التي من خلالها يمكن للإنسان أن يحقّق ذاته، ويساعد الآخرين على تحقيق ذواتهم.

http://www.omandaily.om/node/124438

الأربعاء، 13 مارس، 2013

•حوار متخيّل مع الكتاب "بلدي نافذة صغيرة مفتوحة على محيطٍ عظيم"



حوار متخيّل مع الكتاب "بلدي نافذة صغيرة مفتوحة على محيطٍ عظيم"









ثمة من ينفخ في كلماته روحا، يعبّئ فراغات الحروف؛ لتغدو نضِرة ممتلئةً حياةً وماء ..ثمّة شيئٌ مُدهش في بعضِ الإصدارات.. شيئٌ تجهله بقدر ما تشعر أنّك تعرفه.. يُحيّرك حالما تتتبّع الكلمات المألوفة.. كيف لهذه الجمل أن تحمل كل تلك الخفّة والدّهش، كيف لها أن تُزهِر في الرُّوح، وتبعث نسائِم تموّج حقول الياسمين ومروج الرياحين؛ لترتِّل أناشيد الحياة، وتعزف نغمَ المحبّة..
“بلدي” صلاة خاشعة في محراب الحياة،”بلدي” نُسكٌ يتقرّب به، وتعويذةٌ يستعاذُ بها، “بلدي” سَفرٌ للشّعر للوطن للحبّ وللحياة.. وسِفرٌ للإنسان!
قام بتعريب "بلدي" الذي أبدعه رسول حمزاتوف كلّ من: عبدالمعين الملوحي ويوسف حلاق، "كُتب هذا الكتاب_ كما يقول مؤلفه_ في أماكن مختلفة: في قرية تسادا، وفي موسكو، وفي ماخاتشاكالا، وفي ديليجان وفي مدن أخرى كثيرة، لا أذكر متى بدأت كتابته، لكني فرغت منه في الخامس والعشرين من سبتمبر عام 1970."
بلدي حرٌّ مرفرفٌ لا ترى في كلماته تكلّفًا.. يملك جناحين يخترقان حدود الزّمان والمكان ليحطّ بخفّته ويستقرّ حيث يبعثُ في الرُّوح انتعاشًا جديدا.."بلدي" حكايا داغستان فلكلوره عاداته وإنسانه..
اقتربنا من "بلدي" ليحكي لنا حكايته، وتفاصيل رحلته، وخبايا ذاكرته..
* "بلدي" لستَ كغيرِك من الإصدارات.. لم تتصدّر بتقديم..أليس الأمرُ عجيبا؟
_ "مثل هذا الانطلاق ينبغي أن يكون انطلاق كتابٍ جيّد، لا مقدمة معدّة، لا تحفظات لا تنتهي، إنك إذا لم تستطع أن تمسك بالثّور من قرنيه فلن تستطيع أن توقفه إذا أمسكت به من ذنبه"، وقد "قال أبو طالب: مقدّمة الكتاب هي القشة التي تعض عليها امرأة جميلة مؤمنة بالخرافات، وهي ترفع معطف زوجها لأن الخرافة تقول إن المعطف يمكن أن يصبح كفنًا لصاحبه إن لم تحفظ زوجه قشة من التبن بين أسنانها".
*حسنًا.. أخبرنا لمَ ربطت الكتاب بـ داغستان ؟
بكل بساطة " إذا كنت تبحث عن عنوان، فعليك أن تنطلق من المضمون الذي تريده لكتابك، وكذلك الهدف الذي تضعه نصب عينيك"، عنِّي" لن أضع على صهوة جوادي سرجا غريبا، الاسم الذي يؤخذ من هنا وهناك لن يكون اسما، بل لقبا ..اسما مستعارا"
*تفاصيل "بلدي" تحمل هوية داغستان، في فلكلور أهلها وعاداتهم وتفاصيل حياتهم.. هل هذا هدف وجود "بلدي"؟
"أنا لا أصر على إعطاء هوية لما أكتب، عمّدوا بالاسم الذي تختارونه ما سوف يخطّه قلمي، لست أكتب لكي أوافق واحدا من القوانين الكنسية التي وضعتموها ولكني كتبت ما كتبت لألبي نداء قلبي، والقلب لا يعرف قانونا، أو على الصحيح أن للقلب قوانينه التي لا تناسب الناس جميعا".
*للإنسان فيكَ حكاية.. تنظر لهُ بشكل مُختلِف.. كم للإنسان فيك؟
" الإنسان هو الضرورة الأولى، الكنز الأوّل، والمعجزة العظيمة"، " الإنسان والحريّة في اللغة الآفارية باسم واحد،" أوزدن" هو الإنسان، و" أوزدندلي" هي الحريّة، فحين تقول الإنسان تقول الحرية"، " قسمُ الجبلي هو: إنسانًا ولدتُ وإنسانًا أموت".
"شكت صبية كانت تبحث عن عريس، فقالت:لو كنت أبحث عن معتمر بالقلب لوجدته منذ زمن طويل، ولو كنت أبحث عن ذي شاربين لوجدته منذ زمن طويل، ولكني أبحث عن إنسان"
*كيف يكون المرء إنسانا كما جاء في بلدي؟
_إليكم ما حدث مرة لأبي طالب، حمل أبو طالب ذات يوم ساعته إلى ساعاتي ليصلحها. كان الساعاتي مشغولا آنذاك بإصلاح ساعة شاب كان جالسا هناك، قال الساعاتي لأبي طالب:
_اِجلس
_أرى عندك أناسا، سأمر عليك مرة أخرى
_وأين رأيت الناس؟ قال السّاعاتي متعجبا
_وهذا الشّاب؟
_لو كان إنسانًا، لنهض فور دخولك وقدّم لك مقعده، داغستان لا يهمها أمر هذا العاطل، وهل تقدم ساعته أو تؤخّر، لكن ساعتك يجب أن تعمل في انتظام.
*بعض المواهب جميلة لكنّها مقلّة، لا يستنفرها شيئ للكتابةِ كما تدّعي..ما رأيك في مثل هؤلاء؟
"مهما كان الخنجر المصنوع من خشب جميل، فلن تذبح به صوصا"، فـ "الخنجر الرّاقد دائما في غمده يصدأ، الفارس الرّاقد دائِما في بيته يترهّل."
*"الكلمة المنطلقة من اللسان أشبه بجواد هابط من درب ضيّق وعر إلى فضاء فسيح وممتد"..هكذا صرّحت في بلدي.. حدّثنا قليلا عن الكاتب والكلمة؟
"يجب أن يكون الكاتب سيّدا حقيقيًّا لكلماته، لقسمه أو للعناته".
*الكلمة مُتداولة كيف تخرُج من البعض موشّاةً بالسّحر والدهشة، ومن البعض الآخر عاديّة؟
"الذّهب والفضّة لا يعنيان شيئا بذاتهما، المهم أن يكون للمعلّم الصّائغ يدٌ ماهرة"، و"سم الأفعى يمكن أن يكون ترياقًا إذا كان في أيد ماهرة، وعسلُ النّحل يمكن أن يكون سمًّا إذا كان في يدي أحمق" كما أن "الإبرة الواحدة تخيط ثوب العرس والكفن".
*تقول في تمجيد الأغنية "الخنجر يلقي الإنسان على سرير الموت، والطنبور يبعثه حيًّا"، ألهذا الحد للأغنية في "بلدي" مكانة؟
"أنخل الكلمات، الحديث.. تحصل على أغنية، وأنخل الحقد والغضب والحب، تحصل على أغنية... وأنخل الأحداث وشؤون الناس والحياة كلها تحصل على أغنية"، فـ "الأغنيات سيول تتدفق من الجبال، الأغنيات رسل بشائر تتدافع من ساحة الوغى.. الأغنيات أصدقاء أوفياء زاروك فجأة".
*من أين أتى للأغنية كلّ هذا؟
"أغنية الأم هي بداية كل الأغاني الإنسانية ومصدرها، إنها أول بسمة وآخر دمعة"، "لولا الأغنيات التي تقال فوق المهد، ربما لم توجد في هذا العالم الأغنيات الأخرى، ولكانت حياة الناس أقل إشراقا والمآثر أكثر ندرة والشعر في الحياة أقل."
*أتظن أن الألحان من صنع الأوتار؟
كلّا إنها رجع الكلمات التي ولدت في القلب.
*في آخر مراحلك عشت " الكتاب" هل يُمكن أن تحدثنا عن هذه المرحلة؟
" لكي يعرف الإنسان نفسه يحتاج إلى الكتاب، ولكي يعرف الآخرين يحتاج إلى الكتاب. الشعب بدون كتاب كإنسان مغمض العينين، إنه لا يرى العالم. الشعب بدون كتاب كإنسانٍ بدون مرآة، لا يستطيع أن يرى وجهه"
* معالجتك لكتابك الأوّل تختلف عن معالجتك لكتابك الثّاني إلى ما تعزو ذلك؟
" إنه لأمر مفهوم: بعضهم يحب التّفاح، وبعضهم يحب الجوز. التفاح يُنزع عنه قشره عند أكله، أما الجوز فيجب أن يُكسر، كما يجب تنظيف البطيخ الأحمر والأصفر من بزره. وهكذا الكتب، كل منها يحتاج إلى مقاربة خاصة، الجوزة وهي التي تحتاج إلى كسّارة لا تجوز معالجتها بالسّكين، والتفاحة الطرية العطرة لا تجوز معالجتها بكسّارة"
*في داغستان يقولون "لقد خلق الشاعر قبل خلق العالم بمائة عام"، يا تُرى لمَ ينظرون للشّاعر هكذا؟
"لو لم يشترك الشاعر في إبداع العالم لما كان في مثل هذا الجمال"، فـ "لولا الشعر لتحولت الجبال إلى كومة من الحصى، والمطر إلى ماء آسن ومستنقع، والشمس إلى جرم سماوي مشع له قدرة حرارية.
*متى يُصبح الشّاعر شاعِرا؟
"إذا وجد الشّاعر أسلوبه فقد وجد شخصيته، إنه عندئذ يصبح شاعرًا"، وأنصح كل من يتعجّل"، "أنت في عجلة من أمرك، ولكن النبع الصغير الصّاخب السريع لا يصل إلى البحر، إن السيل البطيء الهادئ يبتلعه."
*هل بالضّرورة أن يُجاري الشّاعر مجتمعه؟
"الطيور تحب أن تطير في وجه الرِّيح. والسّمكة الجيدة تسبح ضد التّيار. والشاعر الحقيقي يثور حين يأمره قلبه " على آراء المجتمع"
*ضمن ما جاء فيك حكايا تمجيد اللُّغات، وللآفاريّة لغة أهل داغستان عشقٌ خاص.. "بلدي" كيف ينظر للغات؟
"لغات الشّعوب بالنسبة لي، كالنجوم في السماء أنا لا أود أن أذوِّب النجوم كلها في نجمٍ واحد ضخم يُغطي نصف السماء، الشمس كفيلة بذلك. لكن لندع النجوم تتلألأ هي الأخرى، ولتكن لكل إنسان نجمة."
*بلدي.. ماذا تقول عن اقتفاء الأثر؟
"اترك طريق والدك لوالدك، وابحث لنفسك عن طريق آخر، طريق خاص بك"
*ما رأيك في فكرة التّفكير؟
"إذا فكّرت فكأنك حملت، الطفل سيولد حتما ، عليك فقط أن تحمله، كما تحمل المرأة الجنين في أحشائِها، ثم تلده بعرق جبينها وبالآلام وأما الكتاب فولادته هي كتابته"
هل يُمكن ليوم واحد أن يصبح عصرًا؟
"تنتصب الشجرة خمسة أشهر مغطّاة بالخضرة، إنما يكفيها نهارٌ واحدٌ، ليلٌ واحدٌ حتى تصفر أوراقها. عكس ذلك قد تنتصب الشجرة خمسة أشهر عارية سوداء كالفحم، ويكفيها صباحٌ مشرقٌ ودافئ حتى تكتسي بالخضرة، يكفيها صباح بهيج واحد كي تزهر."
"بلدي"..ماذا تقول في التكيُّف والثّبات؟
"هناك أشجار تغيّر لونها من شهر لآخر، وهناك أشجار لا يتغيّر لونها أبدا، هناك طيور مهاجرة تهيم من صقع إلى صقع حسب فصول السنة، وهناك نسور لا تخون أبدا عهد جبالها."
*أين يُمكن للمرء أن يكون في نظرك؟
"أحب العصافير التي تغرّد أكثر من العصافير التي تزعق، أحب العصفور في عنفوان طيرانه أكثر من العصفور الذي ينبش كومة من المزابل. أحب المركب في عرض البحر الأزرق أكثر من المركب الذي يرسو في مرفأ ضيِّق. انظروا إلى القوارب الخفيفة تتراقص فوق كل موجة. وانظروا إلى المراكب الثقيلة ما أشد ثباتها ورسوخها في أوج العاصفة."
*أفردت جزءا منك للإنسان، وآخر للشّعب.. هل ثمة فرق بين الإنسان والشّعب؟
"عندما يسألونك من أنت، تستطيع أن تبرز وثيقة، أو جواز سفر يحتوي على المعلومات الأساسية، أما إذا سألوا شعبا من أنت، فإنه سيقدم علماءه، وكتّابه، وفنّانيه، وموسيقيّيه، ورجاله السياسيين، وقادته العسكريين كوثائق."
*كيف تنظر لك؟
"بعض الكتب تبدو وكأنها في حفلة استقبال سياسية، تخلو من حرية الحركة، من حرية المظهر من حرية الكلمة، أيمكن أن تكون يا كتابي غير مدعو إلى حفلة رسمية، أيمكن أن تنقل الكلمات التي تناسب طبيعتك وحدها، لا تلك الكلمات التي يجب أن تُقال في المجاملات."
*ما هي نصيحتك إلى كاتب شاب؟
"لا تقُل أعطني موضوعا، بل قُل أعطني عينين" ، فـ "الأفكار والمشاعر طيور؛ أما الموضوع فهو الغابة، الأفكار والمشاعر غزلان أما الموضوع فهو الجبال، الأفكار والمشاعر طرق أما الموضوع فهو المدينة التي تؤدي إليها هذه الطرق وتلتقي فيها"، "الموضوع لا يعوم على السطح وبطنه إلى الأعلى كالسمكة الغافية، إنه في العمق في المجرى السريع، في التيار الأصفى والأعنف."
"الموضوع صندوق بما فيه من متاع، والكلمة مفتاح هذا الصندوق، لكن المتاع يجب أن يكون متاعك وليس متاع غيرك"."هناك موضوع كالصّلاة، بقدر ما يتكرّر يصبح أكثر قيمة، أسمى، أغنى..الموضوع الصّلاة الموضوع الوطن."
*هل من عطايا للإنسان نختم بها حوارنا؟
"غنِّ إذا حلّ الربيع، واحكِ حكايا إذا جاء الشتاء"و"إذا بلغ الماء في الساقية رسغيك، لا تشمّر إلى ما فوق ركبتيك"، و"لا تمسك حجرًا لا تستطيع رفعه، ولا تبلغ في سباحتك مكانا لا تستطيع العودة منه."

موهيلي الساحرة ضحية مطامع الحُب والسُّلطة


موهيلي الساحرة  ضحية مطامع الحُب والسُّلطة ..قراءة في كتاب (صراع الحب والسلطة: السُّلطـانة جُومْبيه فاطمَـة "1841-1878" .. التنافس العُماني الفرنسي على جزيرة موهيلي القمريّة)

 
 
 


يُعد كتاب (صراع الحب والسُّلطة السُّلطانة جومبيه فاطمة ( 1841_1878) والتنافس العُماني الفرنسي على جزيرة موهيلي القمريّة) توثيقًا لمرحلة من المراحل التاريخيّة وتعريفيًا بطبيعة العلاقات التي جمعت جزر القمر بعُمان، قد اجتهد في توثيقها الدكتور حامد كرهيلا، اعتمد الدكتور كرهيلا في كتابه الذي صدرت الطبعة الأولى منه في 2012 عن دار الفرقد، ضمن البرنامج الوطني لدعم الكاتب الذي يتبنّاه النّادي الثقافي على جمع المعلومات والنصوص من مظانها الأصلية، والاستعانة بالكتب التي اعتمدت في مادتها على المصادر والوثائق المتصلة بموضوع البحث، بعد القراءة والتحليل والنقد كون أغلب المراجع المعتمد عليها فرنسيّة.
يتكوّن الكتاب من سبعة فصول ابتدأت بالتمهيد للحالة السياسية في موهيلي قبل وصول جومبيه فاطمة للحكم من حيث التعريف بتسميتها وبموقعها الذي هو في منتصف المسافة بين جزيرة القمر الكبرى وأنجوان، وعدد سكّانها، ومساحتها والمكانة التي تحتلها بين الجزر، إذ أنّ جزيرة موهيلي هي الأصغر بين الجزر الثلاث، لكنها الأكثر جاذبية وجمالا، ولديها مقوّمات سياحية، وثروات زراعية وسمكيّة وحيوانية، جعلت الأطماع تحوم حولها، وقد سمّيت بـ " لؤلؤة جزر القمر".
كما تطرّق الباحث في التمهيد إلى الوضع الإداري الحالي لجزيرة موهيلي، إذ تخضع الجزيرة حاليًّا لنظام جمهوري رئاسي اتحادي قائم على التعددية السياسية، ومبدأ دورية الرئاسة الجمهورية بين الجزر كل خمس سنوات، كما تطرّق في هذا التمهيد إلى تبعيّة موهيلي إلى جزيرة أنجوان، وبداية الحكم العربي فيها الذي ذهب الباحثون إلى القول أن جميع السّلاطين الذين حكموا جزيرة موهيلي قبل وصول والد جومبيه فاطمة إلى الحكم كانوا عربًا.
تدرُّجًا للأحداث تطرّق الباحث بعدما تتبّع الحكم العربي للجزيرة إلى تاريخ انفصال موهيلي عن أنجوان التي كانت في مرحلة ما تابعة للاستعمار الفرنسي، ثمّ لبداية حكم الأسرة الملغاشية في موهيلي وإقامة علاقات التبعية للدولة البوسعيدية الزنجبارية.
اُختتم التّمهيد بتفصيلٍ عن بروز الصّراع البوسعيدي الفرنسي على موهيلي الذي ابتدأ بتنازل سلطان مايوت ( أندريان تسولي) عن جزيرة "مايوت" للفرنسيين، مما حدا بالدولة البوسعيدية إلى طلب المساعدة من الإنجليز الذين فشلوا في استعادة "مايوت"، بعدها أخذت الأجهزة الفرنسية بالعمل على تقويض النفوذ العربي العُماني على الأرخبيل القمري، محاولة إزاحة مظاهر ورموز سيادته وسلطته، ومحاربة كل ما يمت للعروبة فيه بصلة؛ وذلك لفرض هيمنتها وسيطرتها على جزيرة موهيلي والجزر القمرية الأُخرى.
يتحدّث الفصل الأوّل من الكتاب عن (ولادة جومبيه فاطمة وتولّيها الحكم) متطرّقًا لتاريخ ولادتها ومكانها الذي كان في جزيرة موهيلي عام 1836م، وقد سمّيت بعد ولادتها باسمين: أحدهما ملغاشي (سودي رامانيتكا)، وثانيهما عربي إسلامي (فاطمة)، أمّا كلمة جومبيه فهي تعني في اللغة القمريّة "قصر الملك"، وهو لقبٌ يطلق على أولاد السلاطين الذين ولدوا في القصور الملكية في فترة حكم آبائِهم للدلالة على أنهم أمراء وأميرات من الأسرة السلطانية الحاكمة، فـ " جومبيه فاطمة" تعني " سمو الأمير فاطمة".
في الفصل الأوّل تحدّث الباحث أيضًا عن نشأة جومبيه فاطمة بعدما توفّي والدها، ووصيته بتولِّي ابنته فاطمة الحكم بعد وفاته، وكان في الوصية التي وصل إليها الباحث " أن تخلفه ابنته فاطمة على العرش، وألا تتزوّج بشخصٍ عربي مطلقا، وكذا عدم العود إلى جزيرة مدغشقر"، وقد توقّف الباحث في أمر عدم زواجها بشخصٍ عربي واعتبره أمرٌا غير منطقي بل وموضوع من قبل الفرنسيين بحكم العلاقة الوطيدة التي جمعت السّلطان عبدالرحمن والد فاطمة بالإمبراطورية العربية العمانية.
انتقل الحكم بشكل سلس إثر وفاة السلطان عبدالرحمن عام 1841 إلى ابنته، وكان عمرها آنذاك خمس سنوات، فكانت تحت وصاية والدتها، وهنا استغلت فرنسا صغر سن السلطانة ووصاية والدتها عليها فأخذت تغدق عليهما الهدايا والرسائل المتودِّدة.
تطرّق الباحث في هذا الفصل إلى قلق فرنسا من تنامي نفوذ السلطان سعيد بعد وفاة السُّلطان عبدالرحمن في جزيرة موهيلي، وطمأنته لها، متوسِّعا فيما سعت له من أجل تثبيت وجودها وتقليص الوجود العُماني، بعدها أفرد الباحث عدّة صفحات تحدّث فيها عن احتجاج السُّلطان سعيد لدى الإنجليز على دسائس فرنسا ومطامعها التوسعيّة الرامية إلى ابتلاع كل الأرخبيل القمري الواقع تحت نفوذه، ودفاعه عن تبعيّة موهيلي وانجزيجا له.
وقد اختتم كرهيلا الفصل الأوّل بإيراد مقاطع من الوثائق والرسائل التي تبيّن الإصرار الفرنسي على القضاء على نفوذ السُّلطان سعيد في الجزيرة وسياسة الكيل بمكيالين.
تناول الفصل الثاني من الكتاب ( الاهتمام الفرنسي بتربية جومبيه فاطمة وتتويجها وتداعيات ذلك) حيث أرسلت فرنسا "مدام درواة" لوضع جومبيه فاطمة في حضانة مربية فرنسية تقوم بدور المخبر وتتابع عن كثب نشاطات الوجود العربي، وتحول دون التأثير العربي الإسلامي في السُّلطانة، وقد عُدّ إرسال هذه المربيّة للقيام بهذه المهمة التربوية الدينيّة الاستخباراتية أوّل تأثير فرنسي في هذه الجزيرة، والغرض منه هو معاكسة وإفشال نفوذ السيّد سعيد الذي كان يطمع في الزواج من جومبيه فاطمة.
تناول الباحث في هذا الفصل مدوّنة عمل المربيّة، والمهام المنوطة لها والسلوك المفترض منها اتّباعه، وفي نقطةٍ أخرى تحدّث عن الراتب الشهري الذي تتقاضاه "مدام درواة" نظير خدماتها المزدوجة والذي وصل إلى أجرة موظّف استعماري من المرتبة المتوسطة.
كما تطرّق إلى الصفة الإدارية للمربية، وتداعيات إرسالها، ورد فعل كبار وجهاء جزيرة موهيلي على وجود المربية الفرنسيّة، إذ انقسموا بين مؤيِّدٍ ومُعارض، وعلى إثر ذلك ظهرت بعض الخلافات.
كان لإيفاد مربية فرنسيّة للسلطانة المرتقبة ردود فعل مختلفة على أصعدة مختلفة، حيث حاول السيّد سعيد بن سُلطان إرسال عامل عربي ليقوم بإدارة الحكومة لغاية بلوغ جومبيه فاطمة، إلا أن هذه المحاولة باءت بالفشل بل وحرّض المعادون لسياسة "تسيفاندين" زوج أُم جومبيه فاطمة، وزوج مربّيتها السّابقة والمقرّب للسياسة العمانية حرّض المعادون السلطات الفرنسية على اعتقال"تسيفاندين" ونفيه، إلا أنّ تلك المحاولات لم تكلّل بنجاح؛ لتردِّد المعادين لـ"تسيفاندين"، ولتلوّن مواقف "تسيفاندين" نفسه، حيث بدا أقل حدّةً، كما أبدى عدم تحمّسه لرغبة السيّد سعيد بإيفاد عامل يقوم بإدارة شؤون الجزيرة.
وقد دخلت بريطانيا كما يُشير الباحث إلى حلبة المنافسة على الاستيلاء والطمع في الجزيرة مما أشعل فتيل التوتر ثانيةً بين فرنسا وبريطانيا، فقامت فرنسا بالإسراع في تتويج السلطانة جومبيه فاطمة، واشتراط الموافقة الفرنسية المسبقة على زواجها، الذي قوبِل برضى ظاهري من قبل المعارضين خاصّةً الوزير تسيفاندين، والقاضي عبدالعزيز المحسوبين على الإمبراطورية العمانية.
تطرّق الباحث بعد ذلك إلى الضغوط الشعبية والسياسية التي مورست على السلطانة جومبيه فاطمة المطالبة بترحيل المربية الفرنسية، وردّة فعل السلطانة، ورضوخها بعد ذلك للمطالبات الشّعبيّة بترحيل مدام درواة، والذين تعمّدوا دس السّم في أكلها وترحيلها، مما أدّى إلى وفاة المربية.
توفّت المربية وكان عمر جومبيه فاطمة خمسة عشر ربيعًا، مما ترك أثرًا بليغًا في نفسها، كما أثّر ذلك في النفوذ الفرنسي الذي بدأ يقلق ثانيةً على مصالحه، إلا أنّ جومبيه فاطمة طمأنتهم بعدم تغيّير شيء.
مع رحيل المربية بدأت جومبيه فاطمة بالعودة إلى أصولها، حيث خلعت عنها الملابس الأوروبية، وبدأت تتحدّث بلغتها تاركة اللغة الفرنسية، كما طلبت من رعاياها أن ينادونها باسمها الإسلامي، كل ذلك شجّع عودة نفوذ الإمبراطوريّة العمانية، كما ساعد على تقلّص نفوذ الوجود الفرنسي.
في الفصل الثّالث من الكتاب تطرّق الباحث إلى ( جومبيه فاطمة والتقلّبات العاطفية) حيث قسّم الفصل إلى محورين أولهما عن أهم العروض المقدّمة لخطبة جومبيه فاطمة، وثانيهما زيجات السُّلطانة الأربع، إذ أن موضوع زواج جومبيه فاطمة لم يكن مسألة عادية ولا شخصية، وإنما حدث سياسي استثنائي كان له بُعد دولي وإقليمي ومحلي، تبارت فيه أجهزة استخبارات الدول المتنافسة في المنطقة: فرنسا وبريطانيا والإمبراطورية العمانية، وقد شهدت هذه المسألة تنافسًا محموما لا يقل وطأة من تنافسها وتنازعها على بسط النفوذ والسيطرة والهيمنة على المضايق والدّول.
(جومبيه فاطمة وجوزيف لامبيير: علاقات عاطفيّة ومشاريع اقتصادية وأهداف استعمارية) في هذا الفصل تحدّث الباحث عن تفاصيل طلب السلطانة فاطمة تكثيف زيارات الأسطول البحري الفرنسي للجزيرة من نابليون الثّالث؛ وذلك للتخلّص من ضغوط وزرائِها عليها، كما تطرّق إلى موافقة السلطانة فاطمة على تنفيذ مشاريع المزارعين الفرنسيين في الجزيرة والتّرحيب بقدوم جوزيف لامبير وبداية المقاومة، وفي المحور الثالث تناول الباحث طلب السّلطانة الحماية الفرنسية والتدخّل العسكري؛ لنفي الوزراء الثلاثة المعارضين للنفوذ الفرنسي. ويختتم الباحث الفصل الرّابع بالحديث عن انتزاع الامتيازات من السّلطانة تحت ضغط الديون والحب، وتوقيعها لاتفاقية تنازل تنص عن التخلِّي عن جميع الأراضي الزراعية التي يريدها لامبيير في موهيلي لقاء حصول السلطانة على ما نسبته 5% من الأرباح فقط.
في الفصل الخامس من الكتاب ( اتفاقية الامتياز بين الإلغاء والتثبيت وتنحي جومبيه فاطمة عن الحكم) تطرّق الباحث في البدء إلى تفاصيل الاتفاقية وأثرها على الوضع السياسي والاقتصادي على جزيرة موهيلي، ودور زنجبار في إذكاء معارضة الاتفاقية وتنحي السلطانة عن الحكم، بعدها تطرّق إلى التدخّل العسكري الفرنسي لتثبيت الامتياز الذي يواجه معارضة ورفض شعبي.
تناول أيضًا في الفصل الخامس تفاصيل زيارة الآمر إمبيز إلى زنجبار ومهمته التفاوضية التي تحمّل زنجبار سوء الأوضاع في موهيلي، مما حدا بالحكومة العمانية آنذاك إلى إرسال مبعوث إلى موهيلي وترحيل الأخوين سيف وعبدالله.
أجبرت الأوضاع في موهيلي السلطانة جومبيه فاطمة على الرحيل خارج الجزيرة إلى زنجبار وتنصيب ابنها السلطان محمد بن سعيد البوسعيدي رسميًّا على موهيلي باسم سلطان زنجبار، إلا أنّ هذا التنصيب كان مشروطًا بتنفيذ الاتفاقية الموقعة مع لامبيير، وعدم القيام بأي عمل عدائي ضدّه أو ضد المصالح الفرنسية، مما جعل السُّلطان محمّد تحت وصاية "لامبيير"، هذه الوصاية التي رفضها السُّلطان، مما شحنت قلب "لامبيير" عليه وجعلته يؤلّب الرأي العام والفرنسيين.
تطرّق الباحث في الفصل السّادس من الكتاب إلى ( جولة السلطانة الخارجية للدفاع عن مصالحها والوضع في الجزيرة بعد عودتها إليها) في زنجبار عرضت جومبيه فاطمة قضيّتها، كما ارتحلت بها إلى فرنسا مما استدعى القرار الفرنسي بتخصيص مساعدة سنويّة للسلطانة، إلا أن مطلب السلطانة كان مغادرة "لامبير"، وأمام الرفض الفرنسي إلتقت جومبيه فاطمة بالسفير البريطاني في باريس، إلا أن الآخر فضّل النأي ببلاده بعيد عن هذه القضيّة.
بعد ذلك الرّفض الذي قوبلت به جومبيه فاطمة في فرنسا، وأثناء عودتها نزلت في مصر وقضت ستة أسابيع، استقبلها خلالها الخديوي اسماعيل بحفاوة وترحاب، كما سمع شكواها من النّفوذ الفرنسي وما يسبّبه من مصاعب ومتاعب للجزيرة، فقدّم لها معونة مالية لتمكينها من مواصلة طريقها إلى زنجبار.
بعد ثلاث سنوات وإثر الهزيمة النكراء التي مُنيت بها فرنسا على يد الألمان في "سيدان"، قرّرت جومبيه فاطمة إنهاء إقامتها في زنجبار والعودة إلى جزيرة موهيلي وقد أثارت تلك العودة الكثير من القلاقل والخلافات مع لامبيير، والتوتّر في العلاقات الفرنسيّة بالجزيرة.
يختتم الباحث كتابه بالفصل السّابع الذي يتناول ( السنوات الأخيرة لـ لامبيير وعودة جومبيه فاطمة إلى الحكم، وبداية الهيمنة الفرنسية) حيث يشير الباحث إلى أن العلاقة بين لامبيير وجومبيه فاطمة بدأت تعود إلى سابق عهدها من توادٍّ ومحبة إلا أنّ الموت سريعًا ما تخطّف روحه بعد شدٍّ وجذبٍ معها فرضته المصالح السياسية والأوضاع الاقتصادية، ومما أثّر أكثر في جومبيه فاطمة هو وفاة ابنها الأكبر السُّلطان محمّد، مما أعاد جومبيه فاطمة إلى سدّة الحكم ثانيةً وفي هذه الأثناء تزوّجت جومبيه فاطمة للمرّة الرابعة من مزارع فرنسي "لانجلاي" الذي ورث ثروات لامبيير في موهيلي.
توفّيت السلطانة فاطمة في أواخر شهر مايو عام 1878م، عن عمرٍ يناهز الاثنين وأربعين عاما، بعد ثمانٍ وثلاثين سنة من حكمها، وتمّ تنصيب ابنها الثاني عبدالرحمن بن سعيد البوسعيدي من زوجها العربي، سلطانا على الجزيرة خلفًا لها وعمره آنذاك ثمانية عشر عاما، إلا أن هذا التنصيب أعاد البلاد لدائرة الخلافات والفتن، وتوفي السُّلطان عبدالرحمن مقتولا بعد ثماني سنوات من الحكم.
مع اغتيال السُّلطان عبدالرحمن عادت مشكلة الأسرة الحاكمة في الجزيرة إلى الواجهة، فتقلّد محمد بن الشيخ المختار الحكم، إلا أنه لم يستمر طويلا، وبعدها تقلّد الحكم مرجان بن عبده آل الشيخ أبي بكر بن سالم الذي وقّع معاهدة حماية مع السّلطات الفرنسية، وبذلك عدّت موهيلي محميّة فرنسية، أخذت تعيّن من تشاء لسدّة حكمها وتزيح من تشاء، وقد عزلت بموجب قرارات إدارية السلطان مرجان، لتعيِّن بعد ذلك ابنة جومبيه فاطمة من الزّوج الفرنسي، سلطانة على الجزيرة في خطوة لإزاحة أخيها غير الشقيق لانتمائه العربي وعلاقاته بزنجبار؛ ليقطعوا بذلك الطريق نهائيًّا أمام مصالح ونفوذ البوسعيديين في الجزيرة.