تُشكِّل تجربة الأديب العماني الرّاحل عبدالله الطائي ( 1924_1973م) إحدى التّجارب العمانيّة المعاصرة الرائدة في مضمار الثّقافةِ والمعرفةِ والفِكر، إذ كانت مسيرة حياته حافِلة بالعطاءِ والمثابرة الدؤوبة لإثراء المشهد الإنساني، وذلك من نِتاجهُ وإسهامه في المجال الإعلامي والثّقافي والتّربوي في عُمان والبحرين والكويت والإمارات، وقد جاء كتاب (طائِر الشّعر والرّحيل: عبدالله الطّائي إنسانًا ومبدعًا) حصادًا لندوةٍ ثقافيّة كان النّادي الثّقافي قد خصّصها لعبدالله الطّائي ضمن برنامج " من أعلامنا" والتي أُقيمت خلال الفترة 29_30 مايو2011.
تناول كتاب (طائِر الشّعر والرّحيل: عبدالله الطّائي إنسانًا ومبدعًا) بعد كلمة النّادي الثّقافي، وكلمة عائِلة الطّائي ثمان أوراقٍ، حملت محاور متنوِّعة، حيثُ تناول في البِدء أحمد الفلاحي (عبدالله الطّائي: وقفات سريعة في محطّات من سيرته الخصبة) تحدّث فيها عن سيرة الطّائي الزّاخرة متقصِّيًا أداور حياته ومنعطفاتها المفصليّة متناولا فيها الطّائي إنسانًا بكلِّ تعالقاتِ حياته السياسيّة والثّقافيّة بإيجازٍ وتكثيف.
فيما تطرّق الدكتور غالب المطّلبي لـ (وعي السّرد عند عبدالله الطّائي: محاولة في فهم خطوة الرِّيادة في قصّة المغلغل) متناولا نِتاج الطّائي في مجال السّرد مركّزًا على قصّة المغلغل بتحليلِ وإضاءةِ ادواته في العمليّة السّردية، المتمثِّلة في: الشّخصيّة المحورية، والبيئة المحيطة، والحوارِ، والسّارد. مُشيرًا بعد تحليل القصّةِ وتفنيدِ عناصرها إلى أنّ قصّة "المغلغل" قصّةٌ رائِدة تستحق الاحتفاء الحقيقي بها بوصفها خطوة تُحسب لصاحبها بقصد فتح نافذة على أُفقٍ جديد تحتاج إليه رئة الأدب العماني المعاصر، إذ كان الكاتب فيها على وعيٍ متقدِّم بالسّرد ووظائِفه.
(عبدالله الطّائي روائيًّا)هي الورقة الثالِثة في الكتاب للدكتور كامل العتوم والدكتور سعيد العيسائي، تناولت هذه الورقة جهود عبدالله الطائي الروائيّة المتمثِّلة في روايتيه: (ملائكة الجبل الأخضر، والشّراع الكبير)، واللتان حسب تقديم الباحثين لها تحملان تشابهًا كبيرًا من حيث المنحى الفكري والبناء الفنِّي، كما أنّ كليهما تقع ضمن الروايات ذات الاتِّجاه القومي من حيث الموضوع، والتاريخي من حيث البناء، عكست الروايتان إيمان الطّائي بالنِّضال من أجل تحقيق الحريّة والوحدة.
تناول الباحثان في ورقتهما روايتي الطّائي بالتحليل والنّقد، مؤكّدان أنّ عبدالله الطّائي يُعدُّ من كتّاب الرواية الرّوّاد في الخليج العربي، إذ تعدُّ جهوده من الجهود التي تكشف عن مراحل تطوّر الرواية التاريخيّة العربيّة ذات الطّابع القومي، متعجّبانِ من تجاهل بعض الدراسات لدور الطّائي في نشأة الرّواية العربية.
و(تاريخ عمان السّياسي لعبدالله الطائي) التي قدّمها سماء عيسى هي الورقة الرابعة، وقد انطلق سماء عيسى في ورقته هذه من قراءة لإصدار عبدالله الطائي " تاريخ عمان السياسي"، هادِفا إلى تبيان توجّه المؤلف إلى تأكيد الانتماء العربي لعمان، معارِضًا بذلك أيّة دراسات أخرى قدمت الوجود العربي كوجود لاحق لجناس وأعراق سبقت العرب في استيطانها وحكمها؛ وذلك من خلال حادثة انتصار العمانيين على البرتغاليين في المعركة التي تم فيها الاستيلاء على حصني الجلالي والميراني في مستهل عام 1649م، وحادثة انتقام الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي من الفُرس.
يُضيئ سماء عيسى في ورقته جوانب من كتاب الطّائي، ومنهجه في تناول الحوادث وتشذيبها من الأسطوري منها والبعيد عن الحدوث، فيعمد سماء عيسى إلى تبيان الآلية التي اتّبعها الطائي في كتابه حيث كان وعيه بتسلل الذاكرة الأسطورية إلى الذاكرة التاريخيّة عبر الأساطير المتراكمة وارِدًا، تلك الأسطوريّة التي تدحل في سياق الحدث التاريخي دونما مساءلةٍ واستجواب.
وتحدّث حسين بن راشد الصّباغ في ورقته (عبدالله الطائي من أعلام الأدب والفكر العماني مع إطلالة تاريخيّة وحضاريّة لعمان) عن التّاريخ العُماني في البدء؛ خصوصًا تاريخ دولة اليعارِبة وتوغّلها في شرقِ إفريقيا، مادًّا جسور حديثه إلى ضِفةِ الطّائي وعلاقته بِه في البحرينِ والكويت، متحدِّثًا عن وشائِج التواصلِ والوصالِ بينهما، وتأثيرِ الطائي عليه وتعريفه على العوالم الثقافيّة، إذ يؤكِّد في سطوره أنّ الطائي في مختلف ميادين نشاطه كان لسان بلاده حاضِرًا، فقد كان يسعى للتعريف ببلاده أدبًا وثقافةً وفكرًا وتاريخًا. كما كان نافذةً مفتوحة على جميع الأفكار في مختلف مراحل حياته، وشخصيّةً تتمتّع بوجهٍ مشرقٍ وضّاء ذو ابتسامةٍ عريضة وقلب حي نابِض بالحياةِ الخلّاقة، شخصيّة متواصلة مع الجميع ثقافيًّا وأدبيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا.
ورقة الصّباغ تناولت الطّائي الإنسان مضيئةً جوانب علاقته الشّخصيّة والأدبيّة به.
فيما أضاء سالم بن محمّد الغيلاني (دور عبدالله الطائي في مجال التّعليم)، إذ يذكُر الغيلاني في ورقته بدءًا (عبدالله الطائي أحد روّاد النهضة الثقافيّة) مؤكِّدًا أنّ اهتمامات الطائي المتعدِّدة جعلت منهُ أحد الرّموز التي أفنت الكثير من عمرها في خدمةِ النّهضة الثّقافيّة والتّربويّة ليس في عُمان وحسب بل على مستوى الخليج، فالطّائي لم يحصر نتاجه الثّقافي والفكري والتّربوي على عُمان؛ بل مارس خبراته في الكويت والبحرين وأبو ظبي، عارِجًا على المناصب التي تقلّدها الطّائي في دول الخليج، وعلى جوره الفكري في النّهضةِ الخليجيّة.
وركّز فيما بعد الغيلاني على دور الطّائي في النهضة التعليمية والثقافيّة، حيثُ قسّم دوره إلى مرحلتين الأولى مرحلة عمله داخل عُمان والتي ابتدأت منذ 1970م، حيث عمل في البدء معلِّمًا في ( المدرسة السّعيديّة)، والثّانية مرحلة عمله خارج عُمان، والتي أسهمت بشكل كبير ولو عن بُعد في تأصيل الكثير من القيم والمُثل والأفكار التي ساهمت في إيقاظ الوعي الفكري والثقافي في عُمان، كما أنّ كتاباته في الصّحف الخليجيّة أثناء تغرّبه كانت تحمل في فحواها استنهاضًا لهمم العُمانيين وبثِّ روح الوطنيّة في نفوسهم، كما أسهد الطّائي في تقديم الأعلام العمانية في الصّحف والإذاعات الخارجية من خلال المقالات والدراسات التي كتبها، سواء في إذاعات الكويت والبحرين والإمارات أو في صحفها ومجلاتها أمثال: الشّاعر الكندي، وأبو مسلم البهلاني، وهلال بن بدر، والمؤرّخ ابن رزيق ومحمّد بن شيخان والشّيخ السالمي، وبعض الإصدارات والمؤلّفات العمانيّة، كما أنّ نتاجه الشّعري كان يؤكِّد حضور عُمان في الخارِج.
ويؤكِّد الغيلاني في ورقته من خلال بعض الأمثلة إلى دور عبدالله الطائي كمفكِّرًا عمانيّا أصيلًا كان له دور بارز في النّهضة التعليميّة والثقافية والفكرية في عُمان، سواء داخل عُمان أو في الدّول الشقيقة خاصّة قبل 1970.
وخصّص الغيلاني محور ورقته الأخير عن (رسالة الطّائي نحو العُمانيين) والتي عزّزها باستشهادٍ لرسالة أرسلها الطائي كان الدكتور محسن الكندي قد أدرجها في مرجعه الكبير عن عبدالله الطائي والتي بعث بها لمدير البعثات بوزارة التربية والتعليم العراقية يطلب فيها تخصيص خمسين منحة دراسية لأبناء عمان للدراسة في معاهد العراق، هكذا كان الطائي يسعى لأبناء عُمان.
(شاعريّة الطّائي من الهمِّ إلى النّفق) للدكتور محمّد بن مسلّم المهري هي الورقة السّابعة في الكتاب، وقد تناول المهري في ورقته شاعريّة الطائي معتمدًا على كثافة النصوص التي أبدعها الشّاعر في جانبٍ دون آخر، ثمّ تاريخ النصوص التي قيلت في الجانبين، قسّم الورقة إلى الهمِّ والنّفق استنادًا لذلك، كما أنّه في تناوله لـ الهمِّ قسّم المحور إلى: الهمِّ العامِّ والهمِّ الخاص، وفي الهمِّ العامّ تناول المهري التوجّه العام للشاعر توازيًا مع التّوجه القومي الذي ساد في تلك الفترة (فترة الخمسينيّات والستينيّات من القرن المنصرم) نظرَا للطروف التي مرّات بها الأمّة خصوصًا ظرف الاستعمار، ووضع فلسطين على وجه التّحديد، مستشهدًا بأبياتٍ للطائي شارحًا لها.
أمّا الهمُّ الخاص فخصّصه المهري لكلّ ما يتعلّق بشخص الشّاعر سواء أكان الوطن أو الأهل أو ذات الشّاعر وأحاسيسه الوجدانيّة.
أمّا شاعريّة الطائي في جزء (النّفق) فقد تناولها المهري استقراءً لإنتاج الطّائي، وعن فكرة النّفق يذكُر المهري: إذا كان النّفق سرب في الأرض مشتقٌّ إلى موضع آخر، فإنّ شاعرنا اختاره لسكناه في الأيام الأخيرة من عمره رغم قساوة الأمر اخذا بالمقولةِ " بطن ألأرض خير له من ظهرها"؛ لما يراه من عجائب الأمور وتبدّل الأحوال أو لعله رأي الأجل الذي اقترب ولم ينجز مهمته التي ندب لها نفسه منذ عشرات السّنين، وهو لمّا يضع بعد كمسؤول خطته الكاملة لرقي ( عمان) التي عاش من أجلها وقضى سبيلها.
وجاءت الورقة الأخيرة بعنوان (صور المرأة في أدب عبدالله الطّائي) للدكتورة سعيدة بنت خاطر الفارسيّة، ومن خلال محاور عدّة تحرّت الدكتورة سعيدة في ورقتها الصّورة المتشكِّلة وفقًا للرؤى الذّهنيّة والفكرية للطّائي وليست الصّور البيانيّة من استعاراتٍ وتسبيه وكنايات، تؤكِّد الورقة أنّ الطائي لم يهدف في شعره إلى رسم شكل حسِّي للمرأة، بل إلى تناول واقع المرأة وتفاعلها مع حركة المجتمع ودورها في هذه الحركة سواءً أكان سلبًا او إيجابًا، وبناءً عليها حاولت الدكتورة استخلاص صور المرأة في شعره، فتناولت صورة المرأة في أدبه من خلال سماتٍ عدّة ومواضيع متنوِّعة تناول فيها الطائي المرأة أبرزها: التناغم والانسجام والتّوحد، والإيجابيّة والمثاليّة، وشرعيّة الحب للمرأة، والمرأة بطلة للنّص وإن تضاءل دورها في الحدث، والتّعليم والإبداع، كما ساقت أبرز نماذج صور المرأة لدى الطّائي كصورة الأم، وصورة الزّوجة وصورة الحبيبة.
وتلخِّص الدكتورة ورقتها بقولها: صورة المرأة في أدب الطائي صورة إيجابيّة إنسانيّة تحرّريّة، تحمل صفة اجتماعيّة-واقعيّة، مؤديةً دورها في عملية الإنتاج الاجتماعي.
عــ ـ ـ ـــلِّــــ ـ ـ ـــي أرى نــــ ـ ـ ـ ـ ـــورا
الاثنين، 13 مايو، 2013
إضاءة في حياة الطّائي ونِتاجه: (طائِر الشّعر والرّحيل: عبدالله الطّائي إنسانًا ومبدعًا)
تُشكِّل تجربة الأديب العماني الرّاحل عبدالله الطائي ( 1924_1973م) إحدى التّجارب العمانيّة المعاصرة الرائدة في مضمار الثّقافةِ والمعرفةِ والفِكر، إذ كانت مسيرة حياته حافِلة بالعطاءِ والمثابرة الدؤوبة لإثراء المشهد الإنساني، وذلك من نِتاجهُ وإسهامه في المجال الإعلامي والثّقافي والتّربوي في عُمان والبحرين والكويت والإمارات، وقد جاء كتاب (طائِر الشّعر والرّحيل: عبدالله الطّائي إنسانًا ومبدعًا) حصادًا لندوةٍ ثقافيّة كان النّادي الثّقافي قد خصّصها لعبدالله الطّائي ضمن برنامج " من أعلامنا" والتي أُقيمت خلال الفترة 29_30 مايو2011.
تناول كتاب (طائِر الشّعر والرّحيل: عبدالله الطّائي إنسانًا ومبدعًا) بعد كلمة النّادي الثّقافي، وكلمة عائِلة الطّائي ثمان أوراقٍ، حملت محاور متنوِّعة، حيثُ تناول في البِدء أحمد الفلاحي (عبدالله الطّائي: وقفات سريعة في محطّات من سيرته الخصبة) تحدّث فيها عن سيرة الطّائي الزّاخرة متقصِّيًا أداور حياته ومنعطفاتها المفصليّة متناولا فيها الطّائي إنسانًا بكلِّ تعالقاتِ حياته السياسيّة والثّقافيّة بإيجازٍ وتكثيف.
فيما تطرّق الدكتور غالب المطّلبي لـ (وعي السّرد عند عبدالله الطّائي: محاولة في فهم خطوة الرِّيادة في قصّة المغلغل) متناولا نِتاج الطّائي في مجال السّرد مركّزًا على قصّة المغلغل بتحليلِ وإضاءةِ ادواته في العمليّة السّردية، المتمثِّلة في: الشّخصيّة المحورية، والبيئة المحيطة، والحوارِ، والسّارد. مُشيرًا بعد تحليل القصّةِ وتفنيدِ عناصرها إلى أنّ قصّة "المغلغل" قصّةٌ رائِدة تستحق الاحتفاء الحقيقي بها بوصفها خطوة تُحسب لصاحبها بقصد فتح نافذة على أُفقٍ جديد تحتاج إليه رئة الأدب العماني المعاصر، إذ كان الكاتب فيها على وعيٍ متقدِّم بالسّرد ووظائِفه.
(عبدالله الطّائي روائيًّا)هي الورقة الثالِثة في الكتاب للدكتور كامل العتوم والدكتور سعيد العيسائي، تناولت هذه الورقة جهود عبدالله الطائي الروائيّة المتمثِّلة في روايتيه: (ملائكة الجبل الأخضر، والشّراع الكبير)، واللتان حسب تقديم الباحثين لها تحملان تشابهًا كبيرًا من حيث المنحى الفكري والبناء الفنِّي، كما أنّ كليهما تقع ضمن الروايات ذات الاتِّجاه القومي من حيث الموضوع، والتاريخي من حيث البناء، عكست الروايتان إيمان الطّائي بالنِّضال من أجل تحقيق الحريّة والوحدة.
تناول الباحثان في ورقتهما روايتي الطّائي بالتحليل والنّقد، مؤكّدان أنّ عبدالله الطّائي يُعدُّ من كتّاب الرواية الرّوّاد في الخليج العربي، إذ تعدُّ جهوده من الجهود التي تكشف عن مراحل تطوّر الرواية التاريخيّة العربيّة ذات الطّابع القومي، متعجّبانِ من تجاهل بعض الدراسات لدور الطّائي في نشأة الرّواية العربية.
و(تاريخ عمان السّياسي لعبدالله الطائي) التي قدّمها سماء عيسى هي الورقة الرابعة، وقد انطلق سماء عيسى في ورقته هذه من قراءة لإصدار عبدالله الطائي " تاريخ عمان السياسي"، هادِفا إلى تبيان توجّه المؤلف إلى تأكيد الانتماء العربي لعمان، معارِضًا بذلك أيّة دراسات أخرى قدمت الوجود العربي كوجود لاحق لجناس وأعراق سبقت العرب في استيطانها وحكمها؛ وذلك من خلال حادثة انتصار العمانيين على البرتغاليين في المعركة التي تم فيها الاستيلاء على حصني الجلالي والميراني في مستهل عام 1649م، وحادثة انتقام الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي من الفُرس.
يُضيئ سماء عيسى في ورقته جوانب من كتاب الطّائي، ومنهجه في تناول الحوادث وتشذيبها من الأسطوري منها والبعيد عن الحدوث، فيعمد سماء عيسى إلى تبيان الآلية التي اتّبعها الطائي في كتابه حيث كان وعيه بتسلل الذاكرة الأسطورية إلى الذاكرة التاريخيّة عبر الأساطير المتراكمة وارِدًا، تلك الأسطوريّة التي تدحل في سياق الحدث التاريخي دونما مساءلةٍ واستجواب.
وتحدّث حسين بن راشد الصّباغ في ورقته (عبدالله الطائي من أعلام الأدب والفكر العماني مع إطلالة تاريخيّة وحضاريّة لعمان) عن التّاريخ العُماني في البدء؛ خصوصًا تاريخ دولة اليعارِبة وتوغّلها في شرقِ إفريقيا، مادًّا جسور حديثه إلى ضِفةِ الطّائي وعلاقته بِه في البحرينِ والكويت، متحدِّثًا عن وشائِج التواصلِ والوصالِ بينهما، وتأثيرِ الطائي عليه وتعريفه على العوالم الثقافيّة، إذ يؤكِّد في سطوره أنّ الطائي في مختلف ميادين نشاطه كان لسان بلاده حاضِرًا، فقد كان يسعى للتعريف ببلاده أدبًا وثقافةً وفكرًا وتاريخًا. كما كان نافذةً مفتوحة على جميع الأفكار في مختلف مراحل حياته، وشخصيّةً تتمتّع بوجهٍ مشرقٍ وضّاء ذو ابتسامةٍ عريضة وقلب حي نابِض بالحياةِ الخلّاقة، شخصيّة متواصلة مع الجميع ثقافيًّا وأدبيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا.
ورقة الصّباغ تناولت الطّائي الإنسان مضيئةً جوانب علاقته الشّخصيّة والأدبيّة به.
فيما أضاء سالم بن محمّد الغيلاني (دور عبدالله الطائي في مجال التّعليم)، إذ يذكُر الغيلاني في ورقته بدءًا (عبدالله الطائي أحد روّاد النهضة الثقافيّة) مؤكِّدًا أنّ اهتمامات الطائي المتعدِّدة جعلت منهُ أحد الرّموز التي أفنت الكثير من عمرها في خدمةِ النّهضة الثّقافيّة والتّربويّة ليس في عُمان وحسب بل على مستوى الخليج، فالطّائي لم يحصر نتاجه الثّقافي والفكري والتّربوي على عُمان؛ بل مارس خبراته في الكويت والبحرين وأبو ظبي، عارِجًا على المناصب التي تقلّدها الطّائي في دول الخليج، وعلى جوره الفكري في النّهضةِ الخليجيّة.
وركّز فيما بعد الغيلاني على دور الطّائي في النهضة التعليمية والثقافيّة، حيثُ قسّم دوره إلى مرحلتين الأولى مرحلة عمله داخل عُمان والتي ابتدأت منذ 1970م، حيث عمل في البدء معلِّمًا في ( المدرسة السّعيديّة)، والثّانية مرحلة عمله خارج عُمان، والتي أسهمت بشكل كبير ولو عن بُعد في تأصيل الكثير من القيم والمُثل والأفكار التي ساهمت في إيقاظ الوعي الفكري والثقافي في عُمان، كما أنّ كتاباته في الصّحف الخليجيّة أثناء تغرّبه كانت تحمل في فحواها استنهاضًا لهمم العُمانيين وبثِّ روح الوطنيّة في نفوسهم، كما أسهد الطّائي في تقديم الأعلام العمانية في الصّحف والإذاعات الخارجية من خلال المقالات والدراسات التي كتبها، سواء في إذاعات الكويت والبحرين والإمارات أو في صحفها ومجلاتها أمثال: الشّاعر الكندي، وأبو مسلم البهلاني، وهلال بن بدر، والمؤرّخ ابن رزيق ومحمّد بن شيخان والشّيخ السالمي، وبعض الإصدارات والمؤلّفات العمانيّة، كما أنّ نتاجه الشّعري كان يؤكِّد حضور عُمان في الخارِج.
ويؤكِّد الغيلاني في ورقته من خلال بعض الأمثلة إلى دور عبدالله الطائي كمفكِّرًا عمانيّا أصيلًا كان له دور بارز في النّهضة التعليميّة والثقافية والفكرية في عُمان، سواء داخل عُمان أو في الدّول الشقيقة خاصّة قبل 1970.
وخصّص الغيلاني محور ورقته الأخير عن (رسالة الطّائي نحو العُمانيين) والتي عزّزها باستشهادٍ لرسالة أرسلها الطائي كان الدكتور محسن الكندي قد أدرجها في مرجعه الكبير عن عبدالله الطائي والتي بعث بها لمدير البعثات بوزارة التربية والتعليم العراقية يطلب فيها تخصيص خمسين منحة دراسية لأبناء عمان للدراسة في معاهد العراق، هكذا كان الطائي يسعى لأبناء عُمان.
(شاعريّة الطّائي من الهمِّ إلى النّفق) للدكتور محمّد بن مسلّم المهري هي الورقة السّابعة في الكتاب، وقد تناول المهري في ورقته شاعريّة الطائي معتمدًا على كثافة النصوص التي أبدعها الشّاعر في جانبٍ دون آخر، ثمّ تاريخ النصوص التي قيلت في الجانبين، قسّم الورقة إلى الهمِّ والنّفق استنادًا لذلك، كما أنّه في تناوله لـ الهمِّ قسّم المحور إلى: الهمِّ العامِّ والهمِّ الخاص، وفي الهمِّ العامّ تناول المهري التوجّه العام للشاعر توازيًا مع التّوجه القومي الذي ساد في تلك الفترة (فترة الخمسينيّات والستينيّات من القرن المنصرم) نظرَا للطروف التي مرّات بها الأمّة خصوصًا ظرف الاستعمار، ووضع فلسطين على وجه التّحديد، مستشهدًا بأبياتٍ للطائي شارحًا لها.
أمّا الهمُّ الخاص فخصّصه المهري لكلّ ما يتعلّق بشخص الشّاعر سواء أكان الوطن أو الأهل أو ذات الشّاعر وأحاسيسه الوجدانيّة.
أمّا شاعريّة الطائي في جزء (النّفق) فقد تناولها المهري استقراءً لإنتاج الطّائي، وعن فكرة النّفق يذكُر المهري: إذا كان النّفق سرب في الأرض مشتقٌّ إلى موضع آخر، فإنّ شاعرنا اختاره لسكناه في الأيام الأخيرة من عمره رغم قساوة الأمر اخذا بالمقولةِ " بطن ألأرض خير له من ظهرها"؛ لما يراه من عجائب الأمور وتبدّل الأحوال أو لعله رأي الأجل الذي اقترب ولم ينجز مهمته التي ندب لها نفسه منذ عشرات السّنين، وهو لمّا يضع بعد كمسؤول خطته الكاملة لرقي ( عمان) التي عاش من أجلها وقضى سبيلها.
وجاءت الورقة الأخيرة بعنوان (صور المرأة في أدب عبدالله الطّائي) للدكتورة سعيدة بنت خاطر الفارسيّة، ومن خلال محاور عدّة تحرّت الدكتورة سعيدة في ورقتها الصّورة المتشكِّلة وفقًا للرؤى الذّهنيّة والفكرية للطّائي وليست الصّور البيانيّة من استعاراتٍ وتسبيه وكنايات، تؤكِّد الورقة أنّ الطائي لم يهدف في شعره إلى رسم شكل حسِّي للمرأة، بل إلى تناول واقع المرأة وتفاعلها مع حركة المجتمع ودورها في هذه الحركة سواءً أكان سلبًا او إيجابًا، وبناءً عليها حاولت الدكتورة استخلاص صور المرأة في شعره، فتناولت صورة المرأة في أدبه من خلال سماتٍ عدّة ومواضيع متنوِّعة تناول فيها الطائي المرأة أبرزها: التناغم والانسجام والتّوحد، والإيجابيّة والمثاليّة، وشرعيّة الحب للمرأة، والمرأة بطلة للنّص وإن تضاءل دورها في الحدث، والتّعليم والإبداع، كما ساقت أبرز نماذج صور المرأة لدى الطّائي كصورة الأم، وصورة الزّوجة وصورة الحبيبة.
وتلخِّص الدكتورة ورقتها بقولها: صورة المرأة في أدب الطائي صورة إيجابيّة إنسانيّة تحرّريّة، تحمل صفة اجتماعيّة-واقعيّة، مؤديةً دورها في عملية الإنتاج الاجتماعي.
الأحد، 31 مارس، 2013
العقل الباطن كنزٌ تردمه مخاوف الوعي
العقل الباطن كنزٌ تردمه مخاوف الوعي
كتاب العقل الباطن لجون كيهو لا يختلِف كثيرًا عن مثيلاته التي ناقشت مثل هذه القضايا، وهي عديدة وكثيرة، ربّما يكون هو أقرب لـ "السّر" لـ روندا بايرن، يتقاطع الكتاب أيضًا مع كتاب د. علي الوردي " خوارق اللاشعور" في بعض النُّقاط.
اللافت في " العقل الباطن" ترجمة مصطفى دليلة أنّ لغته قريبة وشفيفة، لا تكلّف فيها، كما أنّه يطعّم فصول الكتاب بالحوادث والإثباتات المعاشة. الكتاب ينبُش في طاقات العقل الباطن، ينصح بالتأمُّل والاستقراء، ويتحدّث عن تأكيد الأمنيات لتصبح واقعا، وفائدة التخيُّل، وقدرته على المُساعدة بشكلٍ فاعِل في تحقيق المرجو.
الكتاب ليس ببعيدٍ عن المستجدّات العلميّة، رُغم قربه من جوهر الإنسان إن استطعنا أن نسمِّيها "روحا"، يُحاول الكتاب كذلك أن يُعيد الإنسان ويلفت انتباهه إلى شيء مُهم ربّما غاب عنه في زمن الماديّات وتحكّم الآلة ..يُحاول إعادته لطاقة هائِلة داخله لو استغلّها لحقّق الكثير مما يرجوه.
كما أنّ اللافت في طريقة عرض الكتاب أنّ لغته سلسة متناسبة مع فئات عدّة، وهي لغة محفِّزة؛ تستنهض الكثير من الأفكار وتدفع للتّجريب، يقول المترجم إن فكرة الكتاب جاءت ترجمة وتجميعاً لفلسفة وآراء مجموعة من كتاب وفلاسفة ورجال أعمال أمريكيين عظام في منتصف القرن العشرين، مؤسسي ومبدعي فلسفة النجاح أمثال ديل كارينجي ونابليون هيل وغيرهم. لكنه طبعه بطابعه الخاص وخبرته الشخصية وأبحاثه التي قام بها خلال العشرين سنة الأخيرة من القرن العشرين. جميع موضوعات هذا الكتاب جذابة وتستأثر بذهن القارئ وعقله، ولا بد أن تولد ذبذبات طاقة تحث العقل على التفكير والعمل.
يقع الكتاب في 19 فصلا ..جاء الفصل الأول منه بعنوان (وجهة نظر أخرى عن الواقع) وفيها يتحدّث جون كيهو عن تأثير العقل الباطن بشكلٍ عام كتمهيد لما يحويه الكتاب ولما سيتركه من أثر في نفس القارِئ.
وكما يقول "فإنّ عالمنا الداخلي حسّاس جدًّا، وبتفاعله مع العالم الخارجي تنتفي الفُرص لدينا لإدراك القوة التي نملكها، ومن سخرية القدر ان الإنسان يبدأ بتغيير الواقع الموجود فيه في اليوم والسّاعة والدقيقة التي ينتفي فيها تأثّره المستمر بهذا الواقع" هذا ضمن ما جاء في الفصل الثاني من الكتاب المعنون بـ (الوعي) وقد افتتحه بـ ( فكّر وكأن كل فكرة من أفكارك مكتوبة بأحرف مضيئة في السّماء ليراها الجميع" من كتاب الحكمة "الميرداد")، فالوعي الداخلي عبارة عن قوّة هائلة نحسّ بها في كل ناحية من نواحي حياتنا، وعليه يرتكز نجاحنا وفشلنا، كما ركّز جون كيهو في هذا الفصل على "الأفكار" بكونِها ليست مجرّد هاجس عابر إنّما تتشكّل ماديًّا، لذا دعا في هذا الفصل إلى التركيز على الأفكار الإيجابية الناجحة التي تجعل من الإنسان منتجًا، مؤكِّدًا على وجوب مراقبة الأفكار وتوجيهها شطر النجاح، فهو لا يعزو فشل المرء وإخفاقاته للظروف والبيئة المحيطة، بل يؤكّد أن الأفكار هي الوحيدة القادرة على إعاقة أي نجاح وتحطيم أي طموح، لذا يرى انّه على المرء تغذية حياته بوعي وطاقة ناجحة دون النّظر للظروف المعاشة سابقًا وحاضرًا.
(الاستبصار أو التمثيل الفكري)
وهو فصل يدعو لتفعيل الخيال بكلِّ إمكاناته.. أي تخيُّل الوضع المُراد تحقيقه ومعايشة الأفكار لكأنّها حقيقة، فالتخيُّل من أفضل الإمكانيات الديناميكيّة للإنسان إذا استطاع أن ينظّم نفسه جيدًا، يأمر جون كيهو المتلقّي في هذا الفصل " فكّر أكثر بأشياء تقوم بعملها أو تقتنيها، وليس بأشياء قد تحدث أو لا تحدث".. مؤكّدًا أنّ الواقع الذي نرسمه بأفكارنا ونفكّر فيه باستمرار سيصبح مسرحًا لأهدافنا وأشكالنا المليئة بالطاقة، إن هذا " الفيديو" هو قوّة حقيقيّة ستعمل مع الوقت لصالحنا.
يقول ليليان وايتنغ "عندما يكون الشيء أو الهدف موجودًا كفكرة، فإن تحقيقه في شكلٍ محسوس ومرئي عائد للزمن فقط، التخيّل دائما يسبق التنفيذ"، وفي الفصل الرابع (غرس الأفكار) يذكر كيهو شروط للاستخدام الناجح لطريقة غرس الأفكار وذلك عن طريق التشبّع بالفكرة في امتلاك ما يريد المرء، والإيمان بالحصول عليه، وممارسة ذلك بشكلٍ منتظم يوميًّا وبلا انقطاع لمدة خمس دقائق على الأقل.
يفتتح فصل (التأكيد) بمقولة لـ برايس ماردن " إمكانيات التدريب الذهني غير محدودة، ونتائجه أبدية، لكن قلّة فقط هم الذين يستطيعون توجيه أفكارهم بالاتجاه السّليم، الذي يوفّر لهم النجاح، ويجري كل شيء في العادة بشكلٍ عشوائي"
مؤكدًا أن هذه الطريقة قد اُستخدمت خلال آلاف السّنين في الأديان والسحر على شكل صلوات وإيماءات، وتستخدم الآن أنماط مختلفة من البشر لعقد الصفقات العلمية، والتخلّص من الأمراض المختلفة، والتعرّف على أناس جدد، والفوز في المسابقات.
فالمرء حالما يؤكّد على الأفكار إنما هو يؤثّر عليها، ويدفع بها للتحقّق مشترطًا وجوب التأكيد الإيجابي دائِما بعدم استخدام جمل النّفي كـ " أنا لا أقلق" إذ ان العقل غالبًا يُسقط أدوات النّفي ويركّز على الصّور الهدامة، ووجوب قصر جُمل التأكيد، كما أنّه يرى أن لا أهمية لموضوع الإيمان بالتأكيد، فمع الوقت سيأتي لا يجب التّركيز على هذا الأمر.
في فصل ( الإدراك) يلفت جون كيهو انتباه القارئ إلى خطأ شائع يقوم به الكثيرون، إذ يحتفون بنجاحاتهم بشكلٍ مؤقّت، وسرعان ما يتلاشى الإحساس بالنجاح ليبدأ التركيز على تحقيق أهداف جديدة، يهدر المرء هنا طاقة هائلة مخصصة للنجاح بغرسه فكرة عدم تحقيق شيء والتركيز على ما لم يتم إنجازه بعد، إلا أنه يمكنه إعادة استخدام طاقة النجاح في الإنجازات السابقة، وتحقيق نتائج مذهلة عن طريقها، فكل نجاح يليه نجاح آخر إن واصلنا نجاحاتنا ببعضها وأقررنا على الدّوام بوجود إنجازات في حياتنا.
العقل الباطن ( اللاوعي)، يؤكِّد جون كيهو في كتابه بالمزيد من التّحفيز على مقدرة العقل الباطن في صُنع ما نظنه معجزات، يكفي أن نفكّ رسغ العقل الباطن من العقل الواعي الذي هو سبب للكثير من التأخُّر والتردُّد والفشل، فالعقل الواعي يُسيِّج الكثير، يكون كصاد لذبذبات العقل الباطن ومؤطِّر لها.. العقل الواعي هو العقال الذي يمنع الذي يحول دون انطلاق العقل الباطن، لذلك عند التنويم المغناطيسي مثلا، وبما أنّ العقل الواعي حينها يكون مُحالا للتنويم فإنّ العقل الباطن ينشط إلى درجة يُمكنه تذكُّر ما لا يستطيع أو ربّما نستطيع القول ما يعجز عنه العقل الواعي، يذكُر الكاتب حادثة طموحه في تغيير وضعه، وقد كان يتخيّل طرق التغيير ويعيشه في خياله .. وهذا ما يؤكّد أنّ له عظيم الأثر في تحقّق ذلك التغيير وبلوغه لما أراد.
في فصل (الحدس) يستحضر كيهو حوادث ومواقف لنجاحات كان الحدس هو سببها، فحالما يستمع الإنسان إلى صوته الداخلي فإنه يتوصّل لحلولٍ سليمة، ويقترح أفكارًا مبدعة، وينظر للأشياء بعمق أكبر، يرى كيهو أن الدماغ البشري ليس سوى قطعة من مجسّمة هائلة، وكل جزء من هذه المجسّمة يحوي الكل، فالوعي من الممكن أن يشمل الخبرة الشخصيّة والمعارف في الوقت الذي يرتبط فيه العقل الباطن بنظام كامل يسمح بالدخول إلى بنك المعلومات المخزّنة لدى المرء، وبالإمكان الدخول إلى بنك المعلومات ذلك عبر الحدس.
(الأحلام) في هذا الفصل يتطرّق الكاتِب أيضًا إلى أهميّة الأحلام، وكيف أنّها رسائِل مشفّرة لا يُمكن إلا لمن اقترب من ذاته وتفهّم لها أكثر أن يفكّ شفرتها، الأحلام هي رسائِل المستقبل.. وهي كما يقول أحدهم أنّ الأحلام غير المفسّرة أشبه برسائِل لم تُفتح بعد، هي رسائِل رمزيّة، ينصح جون كيهو في كتابه بمراقبة الأحلام فهي لغة الرمز المنسية، كل جديد فيها تحول خفي للإنسان، ويرى كيهو أن الفهم الصّحيح للأحلام مفيد جدًّا؛ لأن الإنسان سيشعر آنذاك بالرضى والاطمئنان لحصوله على توجيهات وإرشادات من عالمه الداخلي، فتفسير الأحلام عبارة عن جدل مباشر بين المرء وعقله الباطن، فعندما يلم الإنسان بتفسير الحلام فإنه سيفهم وجود علاقة بينه وبين شئ ما موجود بداخله قادر على كل شيء.
يقول ابراهام ماكلو" إن مستقبل الإنسان موجود بداخله، إنه يعيش بداخله في هذه اللحظة" من خلال هذه المقولة يفتتح كيهو الفصل العاشر (الواقع)، فالواقع عملية متحوّلة وليست ثابتة، ولا يُمكن للأفكار أن تُحدث التغيير بشكلٍ مباشر هي عملية تراكميّة، لذا يجب تعضيدها بالأفكار الإيجابيّة لمدى بعيد ودائم.
(التركيز والتأمّل) انطلاقًا من فكرة ( كل فكرة هي قوة مسيطرة على الإنسان) يعرض كيهو محاسن التّركيز والتأمّل لتعضيد قوّة الأفكار بكونه طاقة تحتاج للمراس والتّدريب لتؤتي أُكلها، فمن خلال التركيز والتأمل يمكن للمرء التحكّم بأفكاره، مما يجعل الذهن أكثر صفوًا ونقاءً، إذ ان التأمل يشحذ العقل ويسمح له بالتعمّق ورؤية الأمور بوضوح أكثر مما تبدو عليه.
لا توجد ناحية من نواحي حياتنا إلا وللإنسان فيها نظرة وعقيدة وفي فصل (وجهات النظر وترسيخها) يوضّح كيهو كيف أنّ مصائر الإنسان هي نتيجة لمعتقداته وأفكاره، فكم من مرء آمن بـ ( الحسد) وأثره وتأذّى نتيجة ذلك الإيمان، وكم من مرءٍ آمن بفشله وعدم مقدرته فلم يبرح مكانه، في هذا الفصل يوضّح كيهو ترسّخ المعتقدات في العقل الباطن وتأثيرها على الواقع، فالعقل ماكِر وجاهِل في آن، لذلك يجب تعزيزه بالأفكار والمعتقدات الإيجابية لتمضي الأمور وفق ما يشاء المرء.
يتشكّل تقييمنا لأنفسنا من التخيّل الفكري لجميع المفاهيم التي تشكّلت خلال سنوات عمرنا كلّه، حيث ينطبع هذا التخيّل في العقل الباطن كليًّا لدرجة أنه يبدأ يعيش بذاته وننسى بكل بساطة أننا نحن الذين خلقناه وتاليًّا بإمكاننا تغييره وإعادة تشكيله، وفي فصل(تقييم الذّات) ثمّة نصائِح وخطوات لتعزيز الذّات والثّقة بها مما يدفع بالمرء إلى ترسيخ صورة ناجحة في العقل الباطن عن النّفس ليتترجم بعدها واقعًا معاشا.
(توجهات إبداعية) إن الإلهام والتخيّل ضروريان جدًّا في جميع نواحي حياتنا، والقوّة الإبداعية التي من الممكن أن ترفدهما هي قوة موجودة في كل إنسان بكونها جزءا لا يتجزأ من تركيبته، إلا أنّ البعض غيّب هذه الطاقة بفعل المحيط والأفكار السلبيّة المتأصّلة في اللاوعي، جو كيهو في هذا الفصل يذكر ست توجّهات إبداعية من الممكن أن تحسّن حياة الإنسان تتلخّص في: (كُن باحثًا، اِسأل كثيرًا، احمل كومة أفكار، اخترق القاعدة بكسر العادة، اسمح لخيالك بالعمل، اِملأ البئر) كل هذه التّوجهات تنصب في الخروج عن المألوف والتفكير بطرق جديدة ومبتكرة والتساؤل في المألوف والبحث فيه وعنه.
( لا مشاكل بل إمكانيّات فقط) في هذا الفصل يتناول كيهو ما يراه الإنسان مشاكل على أنّه إمكانات ضروريّة للتطوّر، معززًا نظرته للأمر بالكثير من المواقِف.
في فصل (طبّب نفسك) يُركّز كيهو على تأثير الأفكار في الاستشفاء وذلك بذكر بعض الحوادث والمواقف التي من خلالها تمكّن بعض المرضى من معالجة ذواتهم عن طريق الأفكار والإيحاء الذّاتي.
في (وعي الإنسان النّاجح) ذكر كيهو خمس خطوات لتوليد تفكير الإنسان النّاجح أوّلها "طوّر في نفسك عقيدة الإيمان بالنجاح" من خلال بعض المعتقدات الواجب الإيمان بها وتطبيقها كالعالم مليئ بالثروات، والحياة تحمل لنا دائِما السعادة والرضى، وكل ناحية من نواحي حياتنا مليئة بعدد لا متناهٍ من الإمكانيات والفرص، ونجاحي مرتبط بي فقط. والخطوة الثانية: ابحث عن الوفرة وجدها حالا؛ وذلك من خلال البحث والاجتهاد وتعزيز وعي الإنسان الناجح.
والخطوة الثالثة: كن واثِقا أن النجاح موجود في كل مكان، ما عليك سوى البحث عنه وتعزيز أفكارك وشحذ همّتك، أمّا الخطوة الرّابعة: اِسمع أشرطة تسجيل واقرأ كتبًا في تطوير الذّات، وانتمِ إلى جمعيّات وهيئات هدفها تحقيق النجاح.
الخطوة الخامسة: قارن نفسك دائما بأناس ناجحين سواء كانوا أحياءً أو أمواتا، فطاقة النجاح تخترقك باستمرار عندما تكون في مجتمع كالمجتمع الشبيه لمطامحك، فالمرء قادر على امتصاص هذه الطاقة بمجرد وجوده في بيئة كتلك.
(علاقاتنا المتبادلة) في هذا الفصل يتطرّق كيهو لطبيعة علاقات الأفراد بعضهم ببعض، وكيف يمكن لهم أن يتقبلوا الآخرين بكل عيوبهم ومزاياهم، وكيف يمكن أن نركّز على الجانب الإيجابي في علاقاتنا، وكيف أنّ تصوّراتنا عن الآخرين واعترافاتنا لهم من الممكن أن تؤثّر في سلوكهم وتعاملهم معنا، إذ نستطيع أن نشحذ الآخرين بقوّة وإيجابية من خلال نظرتنا وتعاملنا معهم.
(ثابر على تجربتك وستتخطّى النتيجة كل التّوقعات) في الفصل الأخير يؤكّد كيهو كيف أنّ المثابرة والتأكيد بالأفكار الإيجابية وغرسها والاعتناء بها كيف لكل ذلك أن يصنع إنسانًا ناجحًا، لكن ذلك كلّه لن يكون إلا بالتمرين والممارسة والتأمّل واستغلال الطاقات الكامنة في النفس البشريّة.
الكتاب في مجمله هو نبش في حقيقة الكنز المجهول في باطن كل إنسانٍ منّا، الكنز المردوم بالكثير من الطبقات المخشي أن تكون قد التصقت به، كل ما على الإنسان أن يعي لأهميّة اللاوعي ويعزّزه بالتفكير الإيجابي، كما أنه تجدر الإشارة إلى أن المخاوف وتدخلات العقل الواعي هي من ألد الأعداء للعقل الباطن وتجليّاته، إذ تُحدث تشوّشًا لصفائه مما يجعل المرء بعيدًا عن كنزه، العقل الباطن مكمن النجاحات التي من خلالها يمكن للإنسان أن يحقّق ذاته، ويساعد الآخرين على تحقيق ذواتهم.
http://www.omandaily.om/node/124438
الأربعاء، 13 مارس، 2013
•حوار متخيّل مع الكتاب "بلدي نافذة صغيرة مفتوحة على محيطٍ عظيم"
حوار متخيّل مع الكتاب "بلدي نافذة صغيرة مفتوحة على محيطٍ عظيم"
ثمة من ينفخ في كلماته روحا، يعبّئ فراغات الحروف؛ لتغدو نضِرة ممتلئةً حياةً وماء ..ثمّة شيئٌ مُدهش في بعضِ الإصدارات.. شيئٌ تجهله بقدر ما تشعر أنّك تعرفه.. يُحيّرك حالما تتتبّع الكلمات المألوفة.. كيف لهذه الجمل أن تحمل كل تلك الخفّة والدّهش، كيف لها أن تُزهِر في الرُّوح، وتبعث نسائِم تموّج حقول الياسمين ومروج الرياحين؛ لترتِّل أناشيد الحياة، وتعزف نغمَ المحبّة..
“بلدي” صلاة خاشعة في محراب الحياة،”بلدي” نُسكٌ يتقرّب به، وتعويذةٌ يستعاذُ بها، “بلدي” سَفرٌ للشّعر للوطن للحبّ وللحياة.. وسِفرٌ للإنسان!
قام بتعريب "بلدي" الذي أبدعه رسول حمزاتوف كلّ من: عبدالمعين الملوحي ويوسف حلاق، "كُتب هذا الكتاب_ كما يقول مؤلفه_ في أماكن مختلفة: في قرية تسادا، وفي موسكو، وفي ماخاتشاكالا، وفي ديليجان وفي مدن أخرى كثيرة، لا أذكر متى بدأت كتابته، لكني فرغت منه في الخامس والعشرين من سبتمبر عام 1970."
بلدي حرٌّ مرفرفٌ لا ترى في كلماته تكلّفًا.. يملك جناحين يخترقان حدود الزّمان والمكان ليحطّ بخفّته ويستقرّ حيث يبعثُ في الرُّوح انتعاشًا جديدا.."بلدي" حكايا داغستان فلكلوره عاداته وإنسانه..
اقتربنا من "بلدي" ليحكي لنا حكايته، وتفاصيل رحلته، وخبايا ذاكرته..
* "بلدي" لستَ كغيرِك من الإصدارات.. لم تتصدّر بتقديم..أليس الأمرُ عجيبا؟
_ "مثل هذا الانطلاق ينبغي أن يكون انطلاق كتابٍ جيّد، لا مقدمة معدّة، لا تحفظات لا تنتهي، إنك إذا لم تستطع أن تمسك بالثّور من قرنيه فلن تستطيع أن توقفه إذا أمسكت به من ذنبه"، وقد "قال أبو طالب: مقدّمة الكتاب هي القشة التي تعض عليها امرأة جميلة مؤمنة بالخرافات، وهي ترفع معطف زوجها لأن الخرافة تقول إن المعطف يمكن أن يصبح كفنًا لصاحبه إن لم تحفظ زوجه قشة من التبن بين أسنانها".
*حسنًا.. أخبرنا لمَ ربطت الكتاب بـ داغستان ؟
بكل بساطة " إذا كنت تبحث عن عنوان، فعليك أن تنطلق من المضمون الذي تريده لكتابك، وكذلك الهدف الذي تضعه نصب عينيك"، عنِّي" لن أضع على صهوة جوادي سرجا غريبا، الاسم الذي يؤخذ من هنا وهناك لن يكون اسما، بل لقبا ..اسما مستعارا"
*تفاصيل "بلدي" تحمل هوية داغستان، في فلكلور أهلها وعاداتهم وتفاصيل حياتهم.. هل هذا هدف وجود "بلدي"؟
"أنا لا أصر على إعطاء هوية لما أكتب، عمّدوا بالاسم الذي تختارونه ما سوف يخطّه قلمي، لست أكتب لكي أوافق واحدا من القوانين الكنسية التي وضعتموها ولكني كتبت ما كتبت لألبي نداء قلبي، والقلب لا يعرف قانونا، أو على الصحيح أن للقلب قوانينه التي لا تناسب الناس جميعا".
*للإنسان فيكَ حكاية.. تنظر لهُ بشكل مُختلِف.. كم للإنسان فيك؟
" الإنسان هو الضرورة الأولى، الكنز الأوّل، والمعجزة العظيمة"، " الإنسان والحريّة في اللغة الآفارية باسم واحد،" أوزدن" هو الإنسان، و" أوزدندلي" هي الحريّة، فحين تقول الإنسان تقول الحرية"، " قسمُ الجبلي هو: إنسانًا ولدتُ وإنسانًا أموت".
"شكت صبية كانت تبحث عن عريس، فقالت:لو كنت أبحث عن معتمر بالقلب لوجدته منذ زمن طويل، ولو كنت أبحث عن ذي شاربين لوجدته منذ زمن طويل، ولكني أبحث عن إنسان"
*كيف يكون المرء إنسانا كما جاء في بلدي؟
_إليكم ما حدث مرة لأبي طالب، حمل أبو طالب ذات يوم ساعته إلى ساعاتي ليصلحها. كان الساعاتي مشغولا آنذاك بإصلاح ساعة شاب كان جالسا هناك، قال الساعاتي لأبي طالب:
_اِجلس
_أرى عندك أناسا، سأمر عليك مرة أخرى
_وأين رأيت الناس؟ قال السّاعاتي متعجبا
_وهذا الشّاب؟
_لو كان إنسانًا، لنهض فور دخولك وقدّم لك مقعده، داغستان لا يهمها أمر هذا العاطل، وهل تقدم ساعته أو تؤخّر، لكن ساعتك يجب أن تعمل في انتظام.
*بعض المواهب جميلة لكنّها مقلّة، لا يستنفرها شيئ للكتابةِ كما تدّعي..ما رأيك في مثل هؤلاء؟
"مهما كان الخنجر المصنوع من خشب جميل، فلن تذبح به صوصا"، فـ "الخنجر الرّاقد دائما في غمده يصدأ، الفارس الرّاقد دائِما في بيته يترهّل."
*"الكلمة المنطلقة من اللسان أشبه بجواد هابط من درب ضيّق وعر إلى فضاء فسيح وممتد"..هكذا صرّحت في بلدي.. حدّثنا قليلا عن الكاتب والكلمة؟
"يجب أن يكون الكاتب سيّدا حقيقيًّا لكلماته، لقسمه أو للعناته".
*الكلمة مُتداولة كيف تخرُج من البعض موشّاةً بالسّحر والدهشة، ومن البعض الآخر عاديّة؟
"الذّهب والفضّة لا يعنيان شيئا بذاتهما، المهم أن يكون للمعلّم الصّائغ يدٌ ماهرة"، و"سم الأفعى يمكن أن يكون ترياقًا إذا كان في أيد ماهرة، وعسلُ النّحل يمكن أن يكون سمًّا إذا كان في يدي أحمق" كما أن "الإبرة الواحدة تخيط ثوب العرس والكفن".
*تقول في تمجيد الأغنية "الخنجر يلقي الإنسان على سرير الموت، والطنبور يبعثه حيًّا"، ألهذا الحد للأغنية في "بلدي" مكانة؟
"أنخل الكلمات، الحديث.. تحصل على أغنية، وأنخل الحقد والغضب والحب، تحصل على أغنية... وأنخل الأحداث وشؤون الناس والحياة كلها تحصل على أغنية"، فـ "الأغنيات سيول تتدفق من الجبال، الأغنيات رسل بشائر تتدافع من ساحة الوغى.. الأغنيات أصدقاء أوفياء زاروك فجأة".
*من أين أتى للأغنية كلّ هذا؟
"أغنية الأم هي بداية كل الأغاني الإنسانية ومصدرها، إنها أول بسمة وآخر دمعة"، "لولا الأغنيات التي تقال فوق المهد، ربما لم توجد في هذا العالم الأغنيات الأخرى، ولكانت حياة الناس أقل إشراقا والمآثر أكثر ندرة والشعر في الحياة أقل."
*أتظن أن الألحان من صنع الأوتار؟
كلّا إنها رجع الكلمات التي ولدت في القلب.
*في آخر مراحلك عشت " الكتاب" هل يُمكن أن تحدثنا عن هذه المرحلة؟
" لكي يعرف الإنسان نفسه يحتاج إلى الكتاب، ولكي يعرف الآخرين يحتاج إلى الكتاب. الشعب بدون كتاب كإنسان مغمض العينين، إنه لا يرى العالم. الشعب بدون كتاب كإنسانٍ بدون مرآة، لا يستطيع أن يرى وجهه"
* معالجتك لكتابك الأوّل تختلف عن معالجتك لكتابك الثّاني إلى ما تعزو ذلك؟
" إنه لأمر مفهوم: بعضهم يحب التّفاح، وبعضهم يحب الجوز. التفاح يُنزع عنه قشره عند أكله، أما الجوز فيجب أن يُكسر، كما يجب تنظيف البطيخ الأحمر والأصفر من بزره. وهكذا الكتب، كل منها يحتاج إلى مقاربة خاصة، الجوزة وهي التي تحتاج إلى كسّارة لا تجوز معالجتها بالسّكين، والتفاحة الطرية العطرة لا تجوز معالجتها بكسّارة"
*في داغستان يقولون "لقد خلق الشاعر قبل خلق العالم بمائة عام"، يا تُرى لمَ ينظرون للشّاعر هكذا؟
"لو لم يشترك الشاعر في إبداع العالم لما كان في مثل هذا الجمال"، فـ "لولا الشعر لتحولت الجبال إلى كومة من الحصى، والمطر إلى ماء آسن ومستنقع، والشمس إلى جرم سماوي مشع له قدرة حرارية.
*متى يُصبح الشّاعر شاعِرا؟
"إذا وجد الشّاعر أسلوبه فقد وجد شخصيته، إنه عندئذ يصبح شاعرًا"، وأنصح كل من يتعجّل"، "أنت في عجلة من أمرك، ولكن النبع الصغير الصّاخب السريع لا يصل إلى البحر، إن السيل البطيء الهادئ يبتلعه."
*هل بالضّرورة أن يُجاري الشّاعر مجتمعه؟
"الطيور تحب أن تطير في وجه الرِّيح. والسّمكة الجيدة تسبح ضد التّيار. والشاعر الحقيقي يثور حين يأمره قلبه " على آراء المجتمع"
*ضمن ما جاء فيك حكايا تمجيد اللُّغات، وللآفاريّة لغة أهل داغستان عشقٌ خاص.. "بلدي" كيف ينظر للغات؟
"لغات الشّعوب بالنسبة لي، كالنجوم في السماء أنا لا أود أن أذوِّب النجوم كلها في نجمٍ واحد ضخم يُغطي نصف السماء، الشمس كفيلة بذلك. لكن لندع النجوم تتلألأ هي الأخرى، ولتكن لكل إنسان نجمة."
*بلدي.. ماذا تقول عن اقتفاء الأثر؟
"اترك طريق والدك لوالدك، وابحث لنفسك عن طريق آخر، طريق خاص بك"
*ما رأيك في فكرة التّفكير؟
"إذا فكّرت فكأنك حملت، الطفل سيولد حتما ، عليك فقط أن تحمله، كما تحمل المرأة الجنين في أحشائِها، ثم تلده بعرق جبينها وبالآلام وأما الكتاب فولادته هي كتابته"
هل يُمكن ليوم واحد أن يصبح عصرًا؟
"تنتصب الشجرة خمسة أشهر مغطّاة بالخضرة، إنما يكفيها نهارٌ واحدٌ، ليلٌ واحدٌ حتى تصفر أوراقها. عكس ذلك قد تنتصب الشجرة خمسة أشهر عارية سوداء كالفحم، ويكفيها صباحٌ مشرقٌ ودافئ حتى تكتسي بالخضرة، يكفيها صباح بهيج واحد كي تزهر."
"بلدي"..ماذا تقول في التكيُّف والثّبات؟
"هناك أشجار تغيّر لونها من شهر لآخر، وهناك أشجار لا يتغيّر لونها أبدا، هناك طيور مهاجرة تهيم من صقع إلى صقع حسب فصول السنة، وهناك نسور لا تخون أبدا عهد جبالها."
*أين يُمكن للمرء أن يكون في نظرك؟
"أحب العصافير التي تغرّد أكثر من العصافير التي تزعق، أحب العصفور في عنفوان طيرانه أكثر من العصفور الذي ينبش كومة من المزابل. أحب المركب في عرض البحر الأزرق أكثر من المركب الذي يرسو في مرفأ ضيِّق. انظروا إلى القوارب الخفيفة تتراقص فوق كل موجة. وانظروا إلى المراكب الثقيلة ما أشد ثباتها ورسوخها في أوج العاصفة."
*أفردت جزءا منك للإنسان، وآخر للشّعب.. هل ثمة فرق بين الإنسان والشّعب؟
"عندما يسألونك من أنت، تستطيع أن تبرز وثيقة، أو جواز سفر يحتوي على المعلومات الأساسية، أما إذا سألوا شعبا من أنت، فإنه سيقدم علماءه، وكتّابه، وفنّانيه، وموسيقيّيه، ورجاله السياسيين، وقادته العسكريين كوثائق."
*كيف تنظر لك؟
"بعض الكتب تبدو وكأنها في حفلة استقبال سياسية، تخلو من حرية الحركة، من حرية المظهر من حرية الكلمة، أيمكن أن تكون يا كتابي غير مدعو إلى حفلة رسمية، أيمكن أن تنقل الكلمات التي تناسب طبيعتك وحدها، لا تلك الكلمات التي يجب أن تُقال في المجاملات."
*ما هي نصيحتك إلى كاتب شاب؟
"لا تقُل أعطني موضوعا، بل قُل أعطني عينين" ، فـ "الأفكار والمشاعر طيور؛ أما الموضوع فهو الغابة، الأفكار والمشاعر غزلان أما الموضوع فهو الجبال، الأفكار والمشاعر طرق أما الموضوع فهو المدينة التي تؤدي إليها هذه الطرق وتلتقي فيها"، "الموضوع لا يعوم على السطح وبطنه إلى الأعلى كالسمكة الغافية، إنه في العمق في المجرى السريع، في التيار الأصفى والأعنف."
"الموضوع صندوق بما فيه من متاع، والكلمة مفتاح هذا الصندوق، لكن المتاع يجب أن يكون متاعك وليس متاع غيرك"."هناك موضوع كالصّلاة، بقدر ما يتكرّر يصبح أكثر قيمة، أسمى، أغنى..الموضوع الصّلاة الموضوع الوطن."
*هل من عطايا للإنسان نختم بها حوارنا؟
"غنِّ إذا حلّ الربيع، واحكِ حكايا إذا جاء الشتاء"و"إذا بلغ الماء في الساقية رسغيك، لا تشمّر إلى ما فوق ركبتيك"، و"لا تمسك حجرًا لا تستطيع رفعه، ولا تبلغ في سباحتك مكانا لا تستطيع العودة منه."
موهيلي الساحرة ضحية مطامع الحُب والسُّلطة
موهيلي الساحرة ضحية مطامع الحُب والسُّلطة ..قراءة في كتاب (صراع الحب والسلطة: السُّلطـانة جُومْبيه فاطمَـة "1841-1878" .. التنافس العُماني الفرنسي على جزيرة موهيلي القمريّة)
يُعد كتاب (صراع الحب والسُّلطة السُّلطانة جومبيه فاطمة ( 1841_1878) والتنافس العُماني الفرنسي على جزيرة موهيلي القمريّة) توثيقًا لمرحلة من المراحل التاريخيّة وتعريفيًا بطبيعة العلاقات التي جمعت جزر القمر بعُمان، قد اجتهد في توثيقها الدكتور حامد كرهيلا، اعتمد الدكتور كرهيلا في كتابه الذي صدرت الطبعة الأولى منه في 2012 عن دار الفرقد، ضمن البرنامج الوطني لدعم الكاتب الذي يتبنّاه النّادي الثقافي على جمع المعلومات والنصوص من مظانها الأصلية، والاستعانة بالكتب التي اعتمدت في مادتها على المصادر والوثائق المتصلة بموضوع البحث، بعد القراءة والتحليل والنقد كون أغلب المراجع المعتمد عليها فرنسيّة.
يتكوّن الكتاب من سبعة فصول ابتدأت بالتمهيد للحالة السياسية في موهيلي قبل وصول جومبيه فاطمة للحكم من حيث التعريف بتسميتها وبموقعها الذي هو في منتصف المسافة بين جزيرة القمر الكبرى وأنجوان، وعدد سكّانها، ومساحتها والمكانة التي تحتلها بين الجزر، إذ أنّ جزيرة موهيلي هي الأصغر بين الجزر الثلاث، لكنها الأكثر جاذبية وجمالا، ولديها مقوّمات سياحية، وثروات زراعية وسمكيّة وحيوانية، جعلت الأطماع تحوم حولها، وقد سمّيت بـ " لؤلؤة جزر القمر".
كما تطرّق الباحث في التمهيد إلى الوضع الإداري الحالي لجزيرة موهيلي، إذ تخضع الجزيرة حاليًّا لنظام جمهوري رئاسي اتحادي قائم على التعددية السياسية، ومبدأ دورية الرئاسة الجمهورية بين الجزر كل خمس سنوات، كما تطرّق في هذا التمهيد إلى تبعيّة موهيلي إلى جزيرة أنجوان، وبداية الحكم العربي فيها الذي ذهب الباحثون إلى القول أن جميع السّلاطين الذين حكموا جزيرة موهيلي قبل وصول والد جومبيه فاطمة إلى الحكم كانوا عربًا.
تدرُّجًا للأحداث تطرّق الباحث بعدما تتبّع الحكم العربي للجزيرة إلى تاريخ انفصال موهيلي عن أنجوان التي كانت في مرحلة ما تابعة للاستعمار الفرنسي، ثمّ لبداية حكم الأسرة الملغاشية في موهيلي وإقامة علاقات التبعية للدولة البوسعيدية الزنجبارية.
اُختتم التّمهيد بتفصيلٍ عن بروز الصّراع البوسعيدي الفرنسي على موهيلي الذي ابتدأ بتنازل سلطان مايوت ( أندريان تسولي) عن جزيرة "مايوت" للفرنسيين، مما حدا بالدولة البوسعيدية إلى طلب المساعدة من الإنجليز الذين فشلوا في استعادة "مايوت"، بعدها أخذت الأجهزة الفرنسية بالعمل على تقويض النفوذ العربي العُماني على الأرخبيل القمري، محاولة إزاحة مظاهر ورموز سيادته وسلطته، ومحاربة كل ما يمت للعروبة فيه بصلة؛ وذلك لفرض هيمنتها وسيطرتها على جزيرة موهيلي والجزر القمرية الأُخرى.
يتحدّث الفصل الأوّل من الكتاب عن (ولادة جومبيه فاطمة وتولّيها الحكم) متطرّقًا لتاريخ ولادتها ومكانها الذي كان في جزيرة موهيلي عام 1836م، وقد سمّيت بعد ولادتها باسمين: أحدهما ملغاشي (سودي رامانيتكا)، وثانيهما عربي إسلامي (فاطمة)، أمّا كلمة جومبيه فهي تعني في اللغة القمريّة "قصر الملك"، وهو لقبٌ يطلق على أولاد السلاطين الذين ولدوا في القصور الملكية في فترة حكم آبائِهم للدلالة على أنهم أمراء وأميرات من الأسرة السلطانية الحاكمة، فـ " جومبيه فاطمة" تعني " سمو الأمير فاطمة".
في الفصل الأوّل تحدّث الباحث أيضًا عن نشأة جومبيه فاطمة بعدما توفّي والدها، ووصيته بتولِّي ابنته فاطمة الحكم بعد وفاته، وكان في الوصية التي وصل إليها الباحث " أن تخلفه ابنته فاطمة على العرش، وألا تتزوّج بشخصٍ عربي مطلقا، وكذا عدم العود إلى جزيرة مدغشقر"، وقد توقّف الباحث في أمر عدم زواجها بشخصٍ عربي واعتبره أمرٌا غير منطقي بل وموضوع من قبل الفرنسيين بحكم العلاقة الوطيدة التي جمعت السّلطان عبدالرحمن والد فاطمة بالإمبراطورية العربية العمانية.
انتقل الحكم بشكل سلس إثر وفاة السلطان عبدالرحمن عام 1841 إلى ابنته، وكان عمرها آنذاك خمس سنوات، فكانت تحت وصاية والدتها، وهنا استغلت فرنسا صغر سن السلطانة ووصاية والدتها عليها فأخذت تغدق عليهما الهدايا والرسائل المتودِّدة.
تطرّق الباحث في هذا الفصل إلى قلق فرنسا من تنامي نفوذ السلطان سعيد بعد وفاة السُّلطان عبدالرحمن في جزيرة موهيلي، وطمأنته لها، متوسِّعا فيما سعت له من أجل تثبيت وجودها وتقليص الوجود العُماني، بعدها أفرد الباحث عدّة صفحات تحدّث فيها عن احتجاج السُّلطان سعيد لدى الإنجليز على دسائس فرنسا ومطامعها التوسعيّة الرامية إلى ابتلاع كل الأرخبيل القمري الواقع تحت نفوذه، ودفاعه عن تبعيّة موهيلي وانجزيجا له.
وقد اختتم كرهيلا الفصل الأوّل بإيراد مقاطع من الوثائق والرسائل التي تبيّن الإصرار الفرنسي على القضاء على نفوذ السُّلطان سعيد في الجزيرة وسياسة الكيل بمكيالين.
تناول الفصل الثاني من الكتاب ( الاهتمام الفرنسي بتربية جومبيه فاطمة وتتويجها وتداعيات ذلك) حيث أرسلت فرنسا "مدام درواة" لوضع جومبيه فاطمة في حضانة مربية فرنسية تقوم بدور المخبر وتتابع عن كثب نشاطات الوجود العربي، وتحول دون التأثير العربي الإسلامي في السُّلطانة، وقد عُدّ إرسال هذه المربيّة للقيام بهذه المهمة التربوية الدينيّة الاستخباراتية أوّل تأثير فرنسي في هذه الجزيرة، والغرض منه هو معاكسة وإفشال نفوذ السيّد سعيد الذي كان يطمع في الزواج من جومبيه فاطمة.
تناول الباحث في هذا الفصل مدوّنة عمل المربيّة، والمهام المنوطة لها والسلوك المفترض منها اتّباعه، وفي نقطةٍ أخرى تحدّث عن الراتب الشهري الذي تتقاضاه "مدام درواة" نظير خدماتها المزدوجة والذي وصل إلى أجرة موظّف استعماري من المرتبة المتوسطة.
كما تطرّق إلى الصفة الإدارية للمربية، وتداعيات إرسالها، ورد فعل كبار وجهاء جزيرة موهيلي على وجود المربية الفرنسيّة، إذ انقسموا بين مؤيِّدٍ ومُعارض، وعلى إثر ذلك ظهرت بعض الخلافات.
كان لإيفاد مربية فرنسيّة للسلطانة المرتقبة ردود فعل مختلفة على أصعدة مختلفة، حيث حاول السيّد سعيد بن سُلطان إرسال عامل عربي ليقوم بإدارة الحكومة لغاية بلوغ جومبيه فاطمة، إلا أن هذه المحاولة باءت بالفشل بل وحرّض المعادون لسياسة "تسيفاندين" زوج أُم جومبيه فاطمة، وزوج مربّيتها السّابقة والمقرّب للسياسة العمانية حرّض المعادون السلطات الفرنسية على اعتقال"تسيفاندين" ونفيه، إلا أنّ تلك المحاولات لم تكلّل بنجاح؛ لتردِّد المعادين لـ"تسيفاندين"، ولتلوّن مواقف "تسيفاندين" نفسه، حيث بدا أقل حدّةً، كما أبدى عدم تحمّسه لرغبة السيّد سعيد بإيفاد عامل يقوم بإدارة شؤون الجزيرة.
وقد دخلت بريطانيا كما يُشير الباحث إلى حلبة المنافسة على الاستيلاء والطمع في الجزيرة مما أشعل فتيل التوتر ثانيةً بين فرنسا وبريطانيا، فقامت فرنسا بالإسراع في تتويج السلطانة جومبيه فاطمة، واشتراط الموافقة الفرنسية المسبقة على زواجها، الذي قوبِل برضى ظاهري من قبل المعارضين خاصّةً الوزير تسيفاندين، والقاضي عبدالعزيز المحسوبين على الإمبراطورية العمانية.
تطرّق الباحث بعد ذلك إلى الضغوط الشعبية والسياسية التي مورست على السلطانة جومبيه فاطمة المطالبة بترحيل المربية الفرنسية، وردّة فعل السلطانة، ورضوخها بعد ذلك للمطالبات الشّعبيّة بترحيل مدام درواة، والذين تعمّدوا دس السّم في أكلها وترحيلها، مما أدّى إلى وفاة المربية.
توفّت المربية وكان عمر جومبيه فاطمة خمسة عشر ربيعًا، مما ترك أثرًا بليغًا في نفسها، كما أثّر ذلك في النفوذ الفرنسي الذي بدأ يقلق ثانيةً على مصالحه، إلا أنّ جومبيه فاطمة طمأنتهم بعدم تغيّير شيء.
مع رحيل المربية بدأت جومبيه فاطمة بالعودة إلى أصولها، حيث خلعت عنها الملابس الأوروبية، وبدأت تتحدّث بلغتها تاركة اللغة الفرنسية، كما طلبت من رعاياها أن ينادونها باسمها الإسلامي، كل ذلك شجّع عودة نفوذ الإمبراطوريّة العمانية، كما ساعد على تقلّص نفوذ الوجود الفرنسي.
في الفصل الثّالث من الكتاب تطرّق الباحث إلى ( جومبيه فاطمة والتقلّبات العاطفية) حيث قسّم الفصل إلى محورين أولهما عن أهم العروض المقدّمة لخطبة جومبيه فاطمة، وثانيهما زيجات السُّلطانة الأربع، إذ أن موضوع زواج جومبيه فاطمة لم يكن مسألة عادية ولا شخصية، وإنما حدث سياسي استثنائي كان له بُعد دولي وإقليمي ومحلي، تبارت فيه أجهزة استخبارات الدول المتنافسة في المنطقة: فرنسا وبريطانيا والإمبراطورية العمانية، وقد شهدت هذه المسألة تنافسًا محموما لا يقل وطأة من تنافسها وتنازعها على بسط النفوذ والسيطرة والهيمنة على المضايق والدّول.
(جومبيه فاطمة وجوزيف لامبيير: علاقات عاطفيّة ومشاريع اقتصادية وأهداف استعمارية) في هذا الفصل تحدّث الباحث عن تفاصيل طلب السلطانة فاطمة تكثيف زيارات الأسطول البحري الفرنسي للجزيرة من نابليون الثّالث؛ وذلك للتخلّص من ضغوط وزرائِها عليها، كما تطرّق إلى موافقة السلطانة فاطمة على تنفيذ مشاريع المزارعين الفرنسيين في الجزيرة والتّرحيب بقدوم جوزيف لامبير وبداية المقاومة، وفي المحور الثالث تناول الباحث طلب السّلطانة الحماية الفرنسية والتدخّل العسكري؛ لنفي الوزراء الثلاثة المعارضين للنفوذ الفرنسي. ويختتم الباحث الفصل الرّابع بالحديث عن انتزاع الامتيازات من السّلطانة تحت ضغط الديون والحب، وتوقيعها لاتفاقية تنازل تنص عن التخلِّي عن جميع الأراضي الزراعية التي يريدها لامبيير في موهيلي لقاء حصول السلطانة على ما نسبته 5% من الأرباح فقط.
في الفصل الخامس من الكتاب ( اتفاقية الامتياز بين الإلغاء والتثبيت وتنحي جومبيه فاطمة عن الحكم) تطرّق الباحث في البدء إلى تفاصيل الاتفاقية وأثرها على الوضع السياسي والاقتصادي على جزيرة موهيلي، ودور زنجبار في إذكاء معارضة الاتفاقية وتنحي السلطانة عن الحكم، بعدها تطرّق إلى التدخّل العسكري الفرنسي لتثبيت الامتياز الذي يواجه معارضة ورفض شعبي.
تناول أيضًا في الفصل الخامس تفاصيل زيارة الآمر إمبيز إلى زنجبار ومهمته التفاوضية التي تحمّل زنجبار سوء الأوضاع في موهيلي، مما حدا بالحكومة العمانية آنذاك إلى إرسال مبعوث إلى موهيلي وترحيل الأخوين سيف وعبدالله.
أجبرت الأوضاع في موهيلي السلطانة جومبيه فاطمة على الرحيل خارج الجزيرة إلى زنجبار وتنصيب ابنها السلطان محمد بن سعيد البوسعيدي رسميًّا على موهيلي باسم سلطان زنجبار، إلا أنّ هذا التنصيب كان مشروطًا بتنفيذ الاتفاقية الموقعة مع لامبيير، وعدم القيام بأي عمل عدائي ضدّه أو ضد المصالح الفرنسية، مما جعل السُّلطان محمّد تحت وصاية "لامبيير"، هذه الوصاية التي رفضها السُّلطان، مما شحنت قلب "لامبيير" عليه وجعلته يؤلّب الرأي العام والفرنسيين.
تطرّق الباحث في الفصل السّادس من الكتاب إلى ( جولة السلطانة الخارجية للدفاع عن مصالحها والوضع في الجزيرة بعد عودتها إليها) في زنجبار عرضت جومبيه فاطمة قضيّتها، كما ارتحلت بها إلى فرنسا مما استدعى القرار الفرنسي بتخصيص مساعدة سنويّة للسلطانة، إلا أن مطلب السلطانة كان مغادرة "لامبير"، وأمام الرفض الفرنسي إلتقت جومبيه فاطمة بالسفير البريطاني في باريس، إلا أن الآخر فضّل النأي ببلاده بعيد عن هذه القضيّة.
بعد ذلك الرّفض الذي قوبلت به جومبيه فاطمة في فرنسا، وأثناء عودتها نزلت في مصر وقضت ستة أسابيع، استقبلها خلالها الخديوي اسماعيل بحفاوة وترحاب، كما سمع شكواها من النّفوذ الفرنسي وما يسبّبه من مصاعب ومتاعب للجزيرة، فقدّم لها معونة مالية لتمكينها من مواصلة طريقها إلى زنجبار.
بعد ثلاث سنوات وإثر الهزيمة النكراء التي مُنيت بها فرنسا على يد الألمان في "سيدان"، قرّرت جومبيه فاطمة إنهاء إقامتها في زنجبار والعودة إلى جزيرة موهيلي وقد أثارت تلك العودة الكثير من القلاقل والخلافات مع لامبيير، والتوتّر في العلاقات الفرنسيّة بالجزيرة.
يختتم الباحث كتابه بالفصل السّابع الذي يتناول ( السنوات الأخيرة لـ لامبيير وعودة جومبيه فاطمة إلى الحكم، وبداية الهيمنة الفرنسية) حيث يشير الباحث إلى أن العلاقة بين لامبيير وجومبيه فاطمة بدأت تعود إلى سابق عهدها من توادٍّ ومحبة إلا أنّ الموت سريعًا ما تخطّف روحه بعد شدٍّ وجذبٍ معها فرضته المصالح السياسية والأوضاع الاقتصادية، ومما أثّر أكثر في جومبيه فاطمة هو وفاة ابنها الأكبر السُّلطان محمّد، مما أعاد جومبيه فاطمة إلى سدّة الحكم ثانيةً وفي هذه الأثناء تزوّجت جومبيه فاطمة للمرّة الرابعة من مزارع فرنسي "لانجلاي" الذي ورث ثروات لامبيير في موهيلي.
توفّيت السلطانة فاطمة في أواخر شهر مايو عام 1878م، عن عمرٍ يناهز الاثنين وأربعين عاما، بعد ثمانٍ وثلاثين سنة من حكمها، وتمّ تنصيب ابنها الثاني عبدالرحمن بن سعيد البوسعيدي من زوجها العربي، سلطانا على الجزيرة خلفًا لها وعمره آنذاك ثمانية عشر عاما، إلا أن هذا التنصيب أعاد البلاد لدائرة الخلافات والفتن، وتوفي السُّلطان عبدالرحمن مقتولا بعد ثماني سنوات من الحكم.
مع اغتيال السُّلطان عبدالرحمن عادت مشكلة الأسرة الحاكمة في الجزيرة إلى الواجهة، فتقلّد محمد بن الشيخ المختار الحكم، إلا أنه لم يستمر طويلا، وبعدها تقلّد الحكم مرجان بن عبده آل الشيخ أبي بكر بن سالم الذي وقّع معاهدة حماية مع السّلطات الفرنسية، وبذلك عدّت موهيلي محميّة فرنسية، أخذت تعيّن من تشاء لسدّة حكمها وتزيح من تشاء، وقد عزلت بموجب قرارات إدارية السلطان مرجان، لتعيِّن بعد ذلك ابنة جومبيه فاطمة من الزّوج الفرنسي، سلطانة على الجزيرة في خطوة لإزاحة أخيها غير الشقيق لانتمائه العربي وعلاقاته بزنجبار؛ ليقطعوا بذلك الطريق نهائيًّا أمام مصالح ونفوذ البوسعيديين في الجزيرة.
الأربعاء، 30 يناير، 2013
"الشّاي" ينأى بنفسه عن غطرسة النبيذ، وغرور القهوة، والبراءة المتكلّفة للكاكاو
"الشّاي"
ينأى بنفسه عن غطرسة النبيذ، وغرور القهوة، والبراءة المتكلّفة للكاكاو
تغطية: بدريّة
العامرية
"الشاي"
كان حديثُ المساء في صالون القراءة مساء الإثنين، حيث اجتمع محبّو الشّاي لذكر
مآثرهِ وطقوسه وعاداته بحضور "كتاب الشّاي" للياباني أوكاكورا كاكوزو، بدأت
الجلسة بمسحٍ أجراه مقدّم الكتاب أحمد الراشدي الباحث الثقافي بالمنتدى الأدبي،
لبعض الكتب التي حملت لفظة" الشّاي" كعنوانٍ لها، كما استعرض مسحه لبعض
القصائد التي تناولت الشّاي كمفردة أو ثيمة لها.
بعد التّجوال مع
مفردة الشاي ومالها من معانٍ ودلالات، بدأ الراشدي استعراضه لـ" كتاب
الشّاي" المتكوّن من سبعة فصول، "كتاب الشّاي" حسبما استعرضه الراشدي
هو أسلوب حياة، وقيم ثقافة تغلغل الشّاي فيها إلى أن أصبح مكوّن أساسي من حضارتها،
حيث مذهب "الشايية" يُعنى بالبساطة والنّقاء، ويعتدُّ بالجمالِ بكونه
طبيعي بسيط.
ينطلق مؤلّف
الكتاب أوكاكورا كاكوزو من الشّاي الذي مهّد للكثير من الأخلاق الإنسانيّة ليستعرض
الثقافة اليابانيّة المشوّهة في نظر الآخر (الغرب)، مُقارنًا تلك الثقافة التي
يعتد بها بثقافة الآخر ( الغرب) الثقافة الماديّة الاستهلاكيّة التي لا تنظر للشئ
بقيمته الجمالية بل بمدى استفادتها منه، في الكتاب كما يذكر الرّاشدي ثمّة حرقة
ولوعة ولُغة ساخطة تبنّاها المؤلّف، نتجت هذه الحرقة عن الزّيف الذي مارسه الآخر
في نظرته للشّرق بعمومه واليابان بخصوصه، تلك النظرة القاصِرة والمجحفة بحق ثقافة
روحانيّة بجّلت الطبيعة والإنسان.
امتازت لغة الكتاب
الذّي قدّم له وترجمه سامر أبو هواش بجماليّة تناغمت مع موضوعاته، التي مهما ظننا
أنها ابتعدت عن الشّاي إلّا أنّها تعود لتؤكّد دوره في بناء تلك الحضارة، في
الكتاب كما استعرضه الراشدي ثمة تأكيد أن الشّاي في بدايات ظهوره لم يكُن شرابًا
استهلاكيًّا كما هو الآن بل كان له فلسفته وفكره ومذهبه ومزاجه.. الذي جعل منه
مشروبًا كونيًّا استطاع أن يتغلغل في الكثير من الثقافات.
الكاتب في كتابه
لم يهدف إلى التّعريف بالشّاي، بل من خلال الشّاي هدف للدفاع عن هوية بلاده
اليابان وحضارتها، فالشّاي بالنسبة لمؤلّف الكتاب هو قيمة جمالية يستفيض في ذكر
طقوسه، وليس أدل من تقديس اليابانيّون للشاي من رفعه إلى مصاف المذاهب الجمالية
الراقية؛ التي نشأ على إثرها مذهب "الشايية"، وقد واكب الكاتب ذلك
التّقديس للشاي بعنونته للفصل الأول من الكتاب بـ "كوب الإنسانية" الذي يقصد منه كوب
الشّاي.
يرى المؤلّف أنّه
ليس من دارس للثقافة اليابانية يمكنه تجاهل حضور الشّاي فيها، ومن خلال استعراض
فصول الكتاب وثقافة اليابانيّين المرتبطة بالشّاي تتبيّن الكثير من المعلومات التي
تحمل من الدهشة والجمال الكثير، حيث يرتبط الشّاي كثيرًا بالمزاج فيُقال للشّخص
المتجهّم "ثقيل الدّم" (خلوّ من الشّاي)، وفي النّقيض يُقال للشّخص
المرح المتفائِل بالحياة ( مفعمٌ بالشّاي).
يؤكّد أوكاكورا في
موضعٍ آخر أنّ احتفاءهم بالشّاي لا يُمكن الاستهانة به إن نظرنا من زاوية نظرهم
له، حيث يرون في الشّاي كوبًا للمسرّات البشريّة الآخذة في التضاؤل، ينظر أوكاكورا
للشّاي من نظرة مفعمة بالحياةِ والمحبة، ويرى أنّ الشاي استطاع أن يجمع الإنسانيّة
على محبّته، وضمن ما استعرضه الرّاشدي عن الكتاب هو تاريخ دخول الشّاي للدول
الأوروبيّة التي احتفت به لدرجة عدّه رمزًا يدل على الضيافة الرفيعة، وهدية تهدى
للأميرات والنبلاء، وبالمقارنة أيضًا انبرت طائفة منهم لمعارضته لدرجة رأت فيه ما
يُفقد الرجال لياقتهم ومكانتهم، ويُفقد النساء جمالهن ورزانتهن.
بوساطة الشّاي
يستعرض أوكاكورا مادية الغرب، وفقدانهم للإنسان ولهاثهم وراء الماديّة التي غيّبته
واستحوذت على تفكيره، وسرقة راحة باله، ومن خلال الشّاي يُطالبهم بالإنصاف وفهم
الآخر قبل أن يروّجوا عنه صورًا لا تعكِسُ إلا نظرة قاصِرة أخذوها عنه.
يرى أوكاكورا في
الشّاي عملا فنيًّا يتطلّب يدًا بارعة، فخصّص الفصل الثاني من كتابه لـ "
مدارس الشّاي" على غرار الفن، وهو بذلك لا يستعرض فقط طرق إعداد الشّاي أو
استخدام الحضارات له فقط، بل يطعّمها بالكثير من المقاربات السياسيّة والحضاريّة
والأدبيّة.
يربط المؤلّف في
فصله "التّاو والزّن" هذه الطّقوس بالشّاي، حيث يقول أنّ طقس الشاي بما
يحمل من دلالات روحيّة وجمالية نشا من طقوس الزّن، ويستطرد في هذا الفصل حديثه عن
طقوس الزّن والتّاو التي تعالق بها مذهب "الشايية" من حيث الاهتمام
بالأفكار المتعلّقة بالحياة والفن والنّظرة إليهما، يُحاول أوكاكورا في هذا الفصل
تسليط حزمة ضوء على الرّوحانية التي امتاز بها الشّرق من خلال استعراض تلك الطقوس
بأعلامها وبعض طقوسها وما تهدف إليه من تسامٍ وارتقاء بإحساس الإنسان وذوقه.
وفي فصل"
حجرة الشّاي" التي هي بمثابة واحة في قلب الوجود الكئيب يفيء إليها المسافرون
المتعبون لكي يعبّوا من النبع العمومي لتقدير الفن، وكعادة أوكاكورا يعرج إلى الفن
المعماري من خلال استعراضه لحجرة الشّاي بنشأتها ومكوّناتها وهندستها التي توحي
بالتقشّف المهذب، الذي يذهب بعيدًا في تناغمه إلى حدِّ تصميم غلاية الشّاي بطريقة
لا تكسر هدوء المكان وهيبته بحيث رتّبت قطع حديد في القاع لتنتج لحنًا غريبًا يسمع
المرء فيه أصداء شلال تكتمه الغيوم، وبحر بعيد تتكسّر أمواجه على الصّخور، وعاصفة
ماطرة تعبر غابة من القصب، أو أنين أشجار الصّنوبر أو هضبة نائية.
كما أنّ لـ
"حجرة الشّاي" معمارها الذي يجعل الضوء فيها خافتًا على الدّوام،
وطقوسها الحازمة في النظافة والتنسيق والبساطة، حيث يرى أنّ بساطة حجرة الشاي
تحقّق الهدف من إيجادها، حيث يتحرّر الإنسان من الابتذال، ويسكن إليها بصفتها
ملاذًا من سموم العالم الخارجي.
وتأصيلا لهدف
أوكاكورا من تأليف الكتاب نراه في فصله الخامس يعرج إلى " تقدير الفن"،
بوصفه سمو للرّوح، مستشهدًا بآراء معلّمي الشّاي الذين يقدّسون الفن الذي هو لغة
كونيّة فقط للكونيين في عواطفهم.
يرى أوكاكورا أنّه
ومع تهذيب الرّوح يتّسع حس تقدير الفن لدى المرء، حيث يصبح قادرًا بشكلٍ أكبر على
الاستمتاع بالكثير من التعبيرات الفنية عن الجمال، إلا أنه يرى أيضًا في زمانه
ازدراء بارد للفن_ قبل قرن_ ويبدو لي أن ما رآه في زمانه أصبح متجذرًا الآن بشكل
أكبر.
وفي الفصل قبل
الأخير، فصل "الزّهور" يعرّج المؤلّف إلى زاوية أخرى من زوايا الجمال
والبساطة والنّقاء، يتحدّث عن الزّهور والتعامل الأناني معها في الغرب، والاستهتار
بقيمتها الجماليّة، والإسراف في التزيين الظاهري بها، حيث تُقطف بالمئات لتزيين
حفلة مسائيّة وصباحًا يُرمى بها في المزابل، يعمد المؤلّف إلى إظهار الجمالية التي
يتعامل معها معلّمو الشّاي والمذهب الشايي مع الزّهور، ومدى تقديرهم لهذه النبتة
الحاملة لمعاني المحبّة والجمال، حيث لا تقدّم بمنأى عن أوراقها مفصولة عمّا نبت
معها كما هو الحال في الغرب، بل يربطون أوراقها معها كاعترافٍ بجمالها في كلّ
حوالها وبشكلها الطبيعي البسيط، في هذا الفصل يستعرض أوكاكورا مدارس تنسيق وتزين
الزهور، وكيفية التعامل معه.
يرى "معلّمو
الشاي" في الفصل الأخير أنه لا يستطيع تقدير الفن تقديرًا حقيقيًّا إلا أولئك
الذين يصنعون منه حضورًا حيًّا، وبذلك سعوا إلى تنظيم حياتهم اليومية وفقًا لأعلى
معايير النقاء والبساطة التي استنبطت في حجرات الشّاي، وقد كان لمعلمي الشاي تأثير
عظيم في مجال الفن والحياة بشكلٍ عام، مركّزين على البساطة والتواضع، والجمال الذي
يسمو بالإنسان.
ولعلّه من الجدير
أن نذكُر أنّ ما ميّز جلسة" كتاب الشّاي" في صالون القراءة الذي تنظّمه
مباردة القراءة نور وبصيرة، هو مشاركة أغلب من حضر الجلسة، لكأنّ الحضور كان
محصورًا في عشّاق الشّاي، حيث أدلى أغلب الحاضرين بما يعرفون عن طقوس الشاي في
الدّول التي زاروها، ففي المغرِب كما ذُكر ثمّة طقوس لسكب الشّاي لا يُجيدها إلا
المتمرّس عليها، وفي إيران لا يُضاف السّكر للشّاي بل يوضع تحت اللِّسان، و في
العراق ثمّة طقوس أيضُا تُنبئ عن احترام الثقافات للشّاي وتقديرها لطقوسه، كما
شارك المُترجم بدر الجهوري بمقالٍ مُترجم للكاتب جورج أورويل تحدّث فيه عن إحدى
عشر نقطة جدلية في إعداد وتناول الشّاي.
للشّاي في جلسة
الصّالون حضورًا باذِخًا، هو مدخلٌ لعبادة الصّفاء والنقاء.. لكأنّه كما ذكره
أوكاكورا "ينطوي على سحرٍ خفي يجعله لا يقاوم، ويمنحه القدرة على إسباغ
الإحساس بالمثالية، فالشاي ينأى بنفسه عن غطرسة النبيذ، وعن غرور القهوة، وعن
البراءة المتكلّفة في نبتة الكاكاو"، أو هو كما ذكره الشاعر الصيني لو تونغ:
"الكوب الأول يرطّب شفتي وحلقي، والكوب الثاني يكسر وحدتي، والثالث يجوس
داخلي المجدب فلا يجد هناك سوى نحو خمسة آلاف مجلّد من النقوش الغريبة. الكوب
الرابع يتسبّب بتعرّق بسيط تخرج معه من مسامي جميع مساوئ العيش، وحسن أصل إلى
الكوب الخامس اكون قد تطهّرت؛ والكوب السادس يناديني إلى جنّات الخلد. أما الكوب
السّابع..آه، لا أستطيع تناول المزيد!
لا أحس سوى بهبوب
النسيم العليل في أكمامي، أين أنت يا هورايسان؟ دعوني أمتطي الخيل في هذا النسيم
العذب وأرتحل إلى هناك"
الثلاثاء، 23 أكتوبر، 2012
إنسان الغد بمواجهة تحدِّيات ثورة العصر
إنسان الغد بمواجهة تحدِّيات ثورة
العصر
ثقافة الطّفل بين الهويّة والعولمة،
كتابٌ للباحِثة عزيزة الطّائيّة جاء ثمرة محاضرات كانت قد قدّمتها في بعض
المؤسّسات الاجتماعيّة والثّقافيّة والتّربويّة؛ ويُعدُّ موضوع الكِتاب مُتناسِب
مع ما يعيشه الفرد العربي مُجملا، والطِّفل العربي على وجه الخصوص في ظِل ثورة
معلوماتيّة يسعى الإنسان لمواكبتها، وما يُصاحب محاولة المواكبة من تغيُّرات تُلقي
بظلالِها على حياة الفرد، وتؤثِّر في نمط حياته بشكلٍ كبير. جاء الكِتاب في 160
صفحة ضِمن إصدارات النّادي الثقافي لعام 2011م، وفيما يلي مُحاولة عرض مبسّط
لمحتويات الكِتاب.
تناولت الباحِثة في الفصلِ الأوّل (الثّقافة في عصر
العولمة) محاوِرعدّة مُبيّنةً في البِدء بعض المفاهيم من خِلال محور(مرحلة
الطّفولة) كمُصطلح، وكيفيّة التّعامل مع الطّفولة حسب مراحِل العمر حتّى يصل
للثّامنة عشر، مع تضمين لبعضِ أساليبِ السّابقين من الصّحابة في التّربية، وتضمّن
محور (مصُطلح العولمة) تعريفاتٍ لبعضِ المُصطلحاتِ الحديثة كالعولمة وخصائِصها،
والعالميّة، والحداثةِ والهويّةِ والغزو الثّقافي، وعلاقة هذِه المُصطلحات
بالعولمةِ، وأثر المتغيِّراتِ الثّقافيّة للعولمة على المُجتمع والطِّفل خاصّة.
وفي المحور الثّالِث تطرقت الباحِثة إلى (مفهوم
الثّقافة) وخصائِصها في كونِها: إنسانيّة، ومُكتسبة وتطويريّة، وتكامليّة،
واستمراريّة، وانتقاليّة، وتنبّؤيّة. وأثر هذهِ الخصائِص في تشكيل العقليّات
الجمعيّة، وتآلُفها وتشكّلها لحمة واحِدة. بعدها انتقلت إلى (ماهية ثقافة الطّفل)
في كونِها متأثِّرة بلا شك بثقافة المُجتمع وتؤثِّر عليها كذلِك عوامِل أُخرى من
بينها الإعلام وطُرق التّعليم. كما أشارت الباحِثة إلى غياب الرُّؤية الواضِحة
لفلسفة محدّدة لتثقيف الطّفل العربي، وكُل المُحاولات المُطبّقة لا تعدو كونها
مُمارسات عشوائيّة متخبِّطة ليس لها ضابِط يوجِّه مسارها؛ ذلك استنادًا على شروط
عامّة لا تتوفّر في الخُطط العربيّة المعمول بها. وبلا شك فثمّة أهداف يطمح لها
التّربويُّون من خِلالِ تثقيف الطّفل، وقد ذكرت الباحِثة سبعٌ منها من بينها :
ترجمة المبادِئ الأخلاقيّة لا بالتّلقين ولكن بسلوك يومي يُمارس في الحياةِ
العامّة، تنمية الوازِع الدِّيني عند الطّفل لتنظيم علاقاتِه مع المُجتمع، وتنمية
القيم الجماليّة السّامية.
وفي المحور الخامِس تناولت الباحِثة
(العوامل المؤثِّرة في ثقافة الطّفل) كالمنظومات المؤسّسيّة بمختلفِ مشارِبها وتوجُّهاتِها
(الأُسرة والمدرسة والمسجد والأصدقاء والأندية والمكتبات العامّة) وتأثيرها في
تشكيل ثقافة الطّفل، والوسائِط (الإعلام) كرافد ثقافي آخر يُساهم في تشكيلِ ثقافة
الطّفل أكانت وسائِط مطبوعة كالكتُب والمِجلّات أو مسموعة ومرئيّة كالإذاعة
والتّلفزيون والسينما والمسرح والموسيقى، والتّرفيه كوسيط ثقافي ثالِث يؤثِّر في
تشكيلِ ثقافة الطّفل، والحاسوب كوسيط وظيفي رابِع.
كما تطرّقت الكاتِبة إلى (ملامح تذبذب هوية ثقافة الطّفل
العربي) المُتمثِّلة في غزو الإعلام الأجنبي وبرامجه الّتي تجذُب الأطفال في حين
غياب دور وسائِل الإعلام المحليّة وعدم مواكبتها لمتطلّبات العصر الّذي يتطلبه طفل
العصر، والمُجتمع ومُحافظته على أصالة هويّته في حين تغزو العالم ثقافة العولمة،
وتكريس التّنوّع الثّقافي في المنطقة العربيّة لصالِح التّماسُك وليس لتمكين الغزو
الثّقافي، واللُّغة العربيّة وثقافة الآخر وكيفيّة المُحافظة عليها في الوقت الّذي
يشهد فيه العالم غزو تقني وثقافي غربي، وقد أسهبت الباحِثة في هذِه النُّقطة
موضِحةً تأثير العولمة في المجالِ اللُّغوي وما بات يُعانيه الطّفل العربي من
اضطرابٍ لغويٍّ مُبكِّر؛ بسببِ وسائِل الإعلام والأجهزة الإلكترونيّة الّتي ساهمت
في صدارة اللُّغة الإنجليزيّة، والعمالة الأجنبية الّتي لها تأثير كبير في تشويه
اللُّغة العربيّة خاصّةً عند الأطفال، بالإضافة إلى مؤثِّراتٍ أُخرى ذكرتها
الباحِثة، وما يُحسب للباحِثة في كثيرٍ من المواضع أنّها لم تكتفِ باستقراء
الواقِع والمؤثِّرات عليه، بل قامت باقتراحِ الحلول، وفي هذا المحور ذكرت عدّة
حلول لتأكيد الثّقافة اللُّغويّة عند الطّفل.
وفي (تحضير الطّفل للعالم المستقبلي)
أدرجت الباحِثة نُقاطًا عدّة _للتّربويّين وذوي الأطفال_ يُمكنها المُساهمة بشكلٍ
فاعِلٍ وكبير في تهيئةِ الطّفل العربي من بينها؛ الوعي بمتطلبات العصر وثقافته،
وترسيخ الهويّة الثّقافيّة العربيّة، وتنمية روح المواطنة عند الطّفل. وفي المحور
الأخير للفصل الأوّل تطرّقت الباحِثة إلى (معوقات ثقافة الطّفل العربي في عصر
العولمة)المُتمثِّلة في تردِّي الأوضاع السِّياسيّة والأمنيّة في الوطن العربي مما
أنتج عنها تردِّي الأوضاع الاقتصاديّة، وتذبذب الهويّة الثّقافيّة للمجتمع العربي
ويبدو أنّ تِلك العوامل مُجتمِعة ومُترابطة غيّبت ثقافة التّعامُل مع الطّفل،
والإيمان بفاعليّته للمُستقبل.
ولأنّ السّماوات المفتوحة وعوالم
التقّنيّة أصبحت واقِعًا لا مناص منه، فقد أفردت الباحِثة فصلًا كامِلا عن (التّنشِئة
في عصر السّماوات المفتوحة) تطرّقت في بدايته لمفاهيم عامّة عن السّماوات المفتوحة
ومُصطلح التّربية، والتربية بالتّوازي مع ثقافة المُجتمع والثّقافات الأُخرى
ووظائِف التّربية في العصر الحديث، كما تطرقت لمفهوم التّعلُّم والتّعليم
والتّنشِئة أهدافها وآليّاتها وصفاتها وخصائِصها وشروطها، وبعدما مهّدت للتّنشِئة
الاجتماعيّة تناولت الباحِثة (العوامل المؤثِّرة في التّنشِئة الاجتماعيّة) كالنِّظام
السِّياسي المؤثِّر بلا شك على كافّة المنظومات الأُخرى، والمؤسّسات التّعلميّة
القائِمة بمهمّة التّربية والتّوجيه والتّعليم، والمؤسّسات الاجتماعيّة المُعبِرة
عن إرادة المُجتمع، والوسائِط الإعلاميّة ذات التأثير الكبير والفاعِل على
التّنشِئة، والوسائِل التقنيّة بكونها فضاء مفتوح لا يُمكن حجبه أو التّحكُّم في
سرعة تدفُّق معلوماته.
ولم
تغفل الباحِثة التّغيُّرات الّتي طالت التّركيبة الاجتماعيّة العربيّة؛ فتحدّثت في
المحور الثّالِث عن (التّغيُّرات
في الأُسرة العربيّة) من انتقالِها من نِظام الأُسر الكبيرة المُمتدّة إلى حياة
الأُسرة النّووية التي تضم الأب والأُم والأبناء فقط، جاء هذا التّغيُّر متواكِبًا
مع تغيُّرات أُخرى اقتصاديّة وتربويّة، وتذكر الباحِثة أبرز المُشكلات الّتي تعوق
الأُسرة عن تأدية دورها التّربوي تجاه الطّفل المُتمثِّلة في ثقافة الأُسرة
التّربويّة؛ إذ أنّ مهمّة التّربية موكلة للأُم بشكلٍ أكبر إلّا أن استهدافها
وتوعيتها بقواعد تربية الأطفال والمُحافظة على سلامتهم النّفسيّة والفِكريّة في
ظِل المتغيِّرات المُتسارِعة شحيح، كما أنّه ومع المتغيِّرات وخروج المرأة للعمل
فقد أوكلت بعض الأُسر مُهمّة التّربية للمُربِّيات والجدّات ودور الحضانة وهذا من
شأنه التأثير في تكوين الطّفل اللُّغوي والمعرفي، كما أنّ المستوى المعيشي للأسر
وطبيعة الحياة الاقتصاديّة والبيئيّة الّتي تحياها يؤثِّر بشكل كبير على تفهُّمها
لحاجات الطّفل وتهيئته لمواكبة العالم المُتغيِّر، كما قد ترتكِب بعض الأُسر
مُمارسات خاطِئة في تربيتها للأطفال في محاولة منها لمواكبة الجديد دونما وعيٍ
منها.
إنّ التّقدُّم العلمي والتكنولوجي، والتّدفُّق الإعلامي
وثورة المعلومات، وثقافة الاستهلاك ونشر القيم الفرديّة، والجريمة المنظّمة هي
أبرز(التّحدِّيات الّتي تواجه الأُسرة العربيّة) في طُرق تنشئتها للأطفال، كما
تُمثِّل هذه التّحديات أثرًا بالِغا في الخطاب الثّقافي وقد تحدّثت عنه الباحِثة
بشئٍ من التفصيل تحت عنوان (أثر التّحدِّيات على الخِطاب الثّقافي) موضِحةً أبرز
الأبعاد الأساسيّة والمقوِّمات الفاعِلة لتنشِئة الطِّفل العربي في ظلِّ
التّحدِّيات.
كما أفردت الباحِثة بعض الصّفحات لـ (اضطرابات نمو
الطّفولة في العصر) الّتي تُهدِّد نموه بشكلٍ طبيعي وسليم كالتّهديدات البيئيّة،
والإدمان على التكنولوجيا والضُّغوط النّفسيّة والمُتغيّرات الحياتيّة وأزمة
الهويّة وأزمة الغربة، وقدّمت في المحور السّابع (متطلّبات نمو طفل العصر) في ظلِّ
تِلك الاضطرابات وسُرعة الحياة، وفي المحور الأخير تطرقت الباحِثة لطُرق (إكساب
الطّفل الهوية الاجتماعيّة) مُقدِّمةً فيه بعض المُقترحات والحُلول.
جاء الفصل الثّالِث مختصًّا بـ (التّربية في عصر الثورة
المعلوماتيّة) مُترابِطًا مع ما سبقهُ مُركِّزًا على تأثير الثّورة المعلوماتيّة
على حياة الأفراد والمُجتمعات، إذ أنّ هذِه الثّورة قد غزت مختلف مجالات الحياة
وجعلت من العالم قرية كونيّة صغيرة مُتّصلةٌ ببعض، تناولت في هذا الفصل محاور عدّة
أوّلها (العالم قرية كونيّة) تحدّثت فيه عن النّقلة الّتي أحدثتها الثّورة
المعلوماتيّة والثّقافة الجديدة الّتي أصّلتها في العالم، كما تحدّثت في المحور
الثّاني عن (مجتمع المعلوماتيّة) متطرِّقةً إلى معايير مُجتمع المعلوماتيّة،
ووظائِف المعلوماتيّة وملامِحها.
وفي محور(التّربية بالمعلوماتيّة وتحدِّياتها) أوضحت
الباحِثة التّغيُّرات الّتي أحدثتها وفرضتها المعلوماتيّة على طُرق التّربية،
والتّغيُرات الّتي يجب أن تطال عمليّة التّربية أكانت تغييرات استراتيجيّة أم
هيكلية أم تكنولوجيّة أم بشريّة يجب أن تحدُث لمواكبة المُستجدّات، كما تحدّثت عن
أبعاد المعلوماتيّة على النّشء بشقّيها الإيجابي والسّلبي.
إنّ الثّورة الّتي أحدثتها المعلوماتيّة تتطلّب إعادة
نظر في المُمارسات التّربويّة من توافر المعلومات وتهيئة المهارات وممارسة
التّكنولوجيا؛ لذلك يجب أن ترتكِز عملية التّربية على فلسفةٍ تستمد منها قوّتها،
وقد تطرقت الباحِثة في المحور الرّابع إلى (الفلسفة التّربويّة في عصر
المعلوماتيّة) موضِحةً أهميّة الارتقاء بالمناهِج الدِّراسيّة وطُرق التّدريس
والأنشطة المدرسيّة والمعلِّم والتّدريب بما يتناسب والعصر الحديث، وفي
محور(المعرِفة في عصر المعلوماتيّة) أوضحت الباحِثة العِلاقة بين مُجتمع المعرِفة
ومُجتمع المعلومات، بكونِ مُجتمع المعرِفة أداة لتوظيف المعلومات.
إن استجلاب ثقافة جديدة ، وتوظيف تقنيّات جديدة لابُد
وأن يُصاحبها تغيُّر واضح في القيم والعادات، كون أنّ المتبوع في الغالِب هو
المؤثِّر والتّابع هو المتأثِّر، وقد تطرّقت الكاتِبة في محور (القِيم في عصر
المعلوماتيّة) إلى ضرورة عدم الانبهار بالثّقافة الغربيّة، ومُحاولة تعميق الثّقة
بالنّفس؛ لإنتاج الجديد وابتداع الأفضل.
في عصر المعلوماتيّة لا يُمكن لأحد أن ينكُر تأثير
وسائِل الإعلام التّقليديّة والإلكترونيّة على الفرد، ويرى المختصُّون أنّها أكثر
أثرًا في عملية التّربية من المدرسةِ والوالدين في غرس الكثير من المفاهيم والقيم
، وقد تطرّقت الباحِثة في محور (وسائِل الاتِّصال وعصر المعلوماتيّة) إلى علاقة
الطّفل أوّلا بالشّاشة الصّغيرة ( التِّلفزيون)، وثانيًا بالشّبكة العنكبوتيّة
(الإنترنت)، وثالِثًا بالمكتبات الرّقميّة، موضِحةً أدوارها في إعداد الطّفل
والتأثير عليه بمُختلف ما تبُث من برامِج ومواد. وفي خِتام الكِتاب تتحدّث الباحِثة عن
(الآثار التّربويّة في عصر المعلوماتيّة) مُجمِلةً ما تمّ التّطرُّق إليه مؤكِّدةً
أن يجب على المؤسّسات التّربويّة الوعي بضرورة صياغة فلسفة جديدة ذات أهداف
ومناهِج وطُرق تتماشى مع الثّورة المعلوماتيّة؛ لتُعين على تنمية وتطوير المُعلِّم
والطّالِب وكافّة شرائِح ووسائِل العمليّة التّربويّة.
«ساعة زوال» من عفوية
القرية لمتاهات المدينة
تشف المجموعة القصصيّة الخامسة للقاص محمود الرحبي والتي صدرت حديثاً
عن دار فضاءات للنشر والتوزيع تحت عنوان "ساعة زوال"، عن أبعادٍ مختلفة
لزوايا رؤى مختلفة تفاوتت بيئاتها بين القديم والجديد. ضمّت المجموعة 17 قصة
تباينت في أفكارها وأساليب تناولها وموضوعاتها، إلا أنها اشتركت في قربها من الإنسان
مُجملا ومن الإنسان العماني خاصّةً والبيئة المعاشة في مواضع أخرى.
لم تخلُ "ساعة زوال" من توظيف الأسطورةِ والموروث التراثي
بلغةٍ فصيحة، بالإضافة إلى استخدام تقنيّات السّرد الحديث، كما يلاحظ تفاوت أساليب
السّرد في المجموعة بين ما يميل لتقنيات السّرد القديمة ببيئاتها وشخوصها وأفكارها
كـ " حكاية الأمير وقمر الكتاب"، وبين الحديث الذي يُلامس قضايا وهموم
الواقع " من أسرار اللوحة رقم(4119)"، والغرائبي الّذي يحمل مضمونًا
أعمق مما هو مكتوب كما في قصّته "عملاق يغزو المطاعم الأمريكية". الملاحظ
أيضًا أن القاص في مجموعته لم يعمد إلى الإغراق في اللهجةِ العاميّة في حوارات
شخوصه، فكان استخدامه لها بسيطًا وسريعا في قصصٍ قليلة فقط.
جاءت بعض قصص الرحبي في " ساعة زوال" ذات نهايات مفتوحة على كلّ الاحتمالات، لكأنه
عمد لفتح الآفاق أمام القارئ يختار أيّ النهايات يشاء، كما عمد في بعضها إلى
الوضوح الذي يُفضي لغموض، ومن بين القصص التي يفتح
فيها القاص الاحتمالات على القارِئ ليفهم النّص كيفما أراد قصة "هل الحمير
تشبهنا؟!" إذ يمكن لهذا النّص أن يحيِّر المتلقِّ بين العمق والبساطة.
تنوّعت مواضيع المجموعة بين الاجتماعي
والذاتي ومن بين القصص التي تحكي عن تغرّب الإنسان عن ذاته قصة "لم يعد
وجهي" وهي قصّة أقرب لمونولوج يدور بين الإنسان وظلِّه/ صورته، تحكي القصة
معاناة إنسان هذا العصر، وذلك من خلال البهرجة الخارجية التي يسعى لها بموازاة
الخواء الداخلي والقحط الذي يعيشه ومن الحوار يقول الظل/ الصورة: "قبل أن
تخلق المرايا كنت أراك من تحت الماء" ويجيب الإنسان "كان الأمر مختلفا،
حين كنت تراني من تحت الماء كنت تشبهني أكثر حينها."
وفي محاولة لإظهار التغييب الذي غدا عليه إنسان هذا العصر
يصف الظل ما كان بمقارنة ما أصبح عليه قائلا: "
تحت الماء كان يمكن لجسدي ورأسي أن ينفصلا، ويغيبا في ظلال القمر وجنان الفصول،
ولكنك الآن تقف أمامي سافرًا كصرخة، فكيف تطلب مني أن أراك؟"
ويقول الرّحبي عن مجموعته أنّه عمد إلى تعدُّد مناخات نصوصه
وأساليبها؛ لأنّه تجريبي بطبعه يشعر بالمتعة مع كل قصّة يكتبها، ولا يميل لتوحيد
مواضيعه أو أساليبه في المجموعة الواحِدة رغبةً منه في إدهاش القارِئ والسّفر به
في أجواء متباينة، مضيفًا أنّه ما زال يُجرِّب ولا تسكنه عقدة القاص المكتمل،
فمشوار القصّة المقنعة بالنسبة له ما زالَ طويلا، ولذلك لا يمكنه إلّا أن يستمر
بالتجريب وعدم الوقوف عند حالة واحِدة.
الجدير بالذكر أنّ "
ساعة زوال" هي العمل الخامس للكاتب محمود الرحبي في المجال القصصي والسابع من
بين أعماله الأدبيّة، صدرت المجموعة بعد عملين روائيين للكاتب.
الأربعاء، 10 أكتوبر، 2012
من يُقرضني حُلما أُصلِّي لأجله؟
من يُقرضني حُلما أُصلِّي لأجله؟
مسكونةٌ بالوحدةِ والعُزلة.. لا حُلم يحتويني
ولا أحتوي أيّ حُلم .. انتحر الياسمين في قلبي، واحترقت مروجٌ خضراء كانت تعتاش
عليك..غادرتني الدّهشة، وفارقني الحُب.. لمَ لم تترُك لي شيئًا بعدك؟
شئٌ ما داخلي لم يستسلم لغيابك بعد، شئٌ ما
داخلي يسألني ويُساءلني وينتظرك.. فـ أخبرني إلى متى توهمني بالنِّسيان؟
يُتعبني الصِّيف.. وكلّما عدتُ إلى ما كتبت في "صيوف" غيابِك .. أكتشِفُ أنّني في كلِّ صيفٍ "أتعذّبُ" بِك.. "أتعذّبُ" بالحنينِ الّذي يصفرُ في خوائي.. "أتعذّبُ" بالغياب.. فـ أنا لم أُفارِق آخر يومٍ كنت فيها معي.
كُل ما أعيشهُ لم يُدنِّس أيّامك.. كُل ما استجد خلال أربعِ سنوات لم يطالك..غبتَ أنتَ رجُل الآن.. لكنّك لم تغِب رجُل الأمس.. لم يغِب ذلِك الصُّوت وتِلك الضِّحكة الّتي أعشق.
يُتعبني الصِّيف.. وكلّما عدتُ إلى ما كتبت في "صيوف" غيابِك .. أكتشِفُ أنّني في كلِّ صيفٍ "أتعذّبُ" بِك.. "أتعذّبُ" بالحنينِ الّذي يصفرُ في خوائي.. "أتعذّبُ" بالغياب.. فـ أنا لم أُفارِق آخر يومٍ كنت فيها معي.
كُل ما أعيشهُ لم يُدنِّس أيّامك.. كُل ما استجد خلال أربعِ سنوات لم يطالك..غبتَ أنتَ رجُل الآن.. لكنّك لم تغِب رجُل الأمس.. لم يغِب ذلِك الصُّوت وتِلك الضِّحكة الّتي أعشق.
مركّزٌ حضورك هذِه الأيّام، أنامُ ودمعي
عالِقٌ بين رموشي، غبت أنتَ الجسد، لكنّك لم تغِب عن قلبي رُغم كلّ المشاغِل وكُلّ
التّجاهُل والانشغال، إلّا أنّك تتقافز في قلبي..تضغط على قلبي بقوّة.. رمضانٌ
رابع يمرّني.. وصلواتي الّتي كانت لم تعُد كذلِك.. أيُّ دُعاءٍ أطلُب .. من
يُقرضني حُلما أُصلِّي لأجله؟
لا شئ إلّا أُمنياتٌ مُستحيلة أن ينتشلني
صوتك من كابوس غيابك .. أن أعود للحُلمِ.. الّذي بِكَ أزهر .. أن توقظني!
15/7/2012
الأحد 00:56
الخميس، 19 يوليو، 2012
سلِّفني عيني حبٍّ لأراني!
سلِّفني عيني حبٍّ لأراني!
أتُحبّني..؟..
سلّفني عينيك لأراني!
أحتاجُ لعيني حُبٍّ كي أرضى عنِّي ..
أيُّها الحُب ..
أنتَ من أشعل الحرائِق.. وقضى على حقولِ القمحِ والياسمين داخلي..
فأصبحت كُلُّ الحياةِ داخِلي "ذِكرى"
وها أنتَ فقط ثانيةً من يستطيع أن يُعيد لي توازني!
سكنتني فـ أوجعتني.. تركتني فـ أهلكتني!
بعدُك..أقفُ على أرضيِّةٍ ظننتُها مهزوزة ..
أُحبِط كُلّ محاولات الحُلم ..
واليوم أُدرك أنّني المهزوزة .. وأنّني لم أُقارِب أيّ حُلم ..
كُل ما في الأمر .. أنّني كـ ققنفذٍ متأهِّبٍ للهجوم...
مخاوفي أشواك ..تفصُلُ بيني وبين الحياة ..
أحتمي بِها .. وأظلُّ وحيدةً .. مُتذمِّرة أن لم تجري ينابيع القلب!
وأن كُلّ الأحلامِ لا تليقُ بي ..
وهل قاربتُ الأحلام فِعلا كي أتذمّر ..؟
حقًّا أحتاجُ لعيني حُبٍّ وسكينة كي أرضى عنِّي!
J
أحتاجُ لعيني حُبٍّ كي أرضى عنِّي ..
أيُّها الحُب ..
أنتَ من أشعل الحرائِق.. وقضى على حقولِ القمحِ والياسمين داخلي..
فأصبحت كُلُّ الحياةِ داخِلي "ذِكرى"
وها أنتَ فقط ثانيةً من يستطيع أن يُعيد لي توازني!
سكنتني فـ أوجعتني.. تركتني فـ أهلكتني!
بعدُك..أقفُ على أرضيِّةٍ ظننتُها مهزوزة ..
أُحبِط كُلّ محاولات الحُلم ..
واليوم أُدرك أنّني المهزوزة .. وأنّني لم أُقارِب أيّ حُلم ..
كُل ما في الأمر .. أنّني كـ ققنفذٍ متأهِّبٍ للهجوم...
مخاوفي أشواك ..تفصُلُ بيني وبين الحياة ..
أحتمي بِها .. وأظلُّ وحيدةً .. مُتذمِّرة أن لم تجري ينابيع القلب!
وأن كُلّ الأحلامِ لا تليقُ بي ..
وهل قاربتُ الأحلام فِعلا كي أتذمّر ..؟
حقًّا أحتاجُ لعيني حُبٍّ وسكينة كي أرضى عنِّي!
J
7:30 صباح الخميس
19/يوليو/2012
الجمعة، 9 مارس، 2012
قِراءة : قلبُ طِفل لـ هيرمان هيسه
لن أكتُب شيئا رسميّا ألبتّة ، قلبُ طِفل .. أخذني ولم يُعدني إلى الآن .. قلبُ طِفلٍ في الحادية عشر من عُمرِه ، مخاوفه ، قلقه ، هواجِسه .. وهمه .. وذاك المدعو " تأنيب الضّمير" .. وما ترتّب على كُلّ ذاك من تداعياتٍ وحوادِث!
صورة الأب .. الرّب في ذِهن ذلِك الطّفل .. الخطيئة والذّنب والمغفِرة .. وعالم المثاليّة والفضيلة .. وتمنِّي الموت هربا من المواجهة .. حقّا قلبُ طِفل!
قلبُ طِفلٍ ازدحمت بِهِ الوصايا والأخلاق مع حبِّ المُغامرةِ والاكتشاف ... فأنتجت صِراعا عاشهُ الطِّفل ألقى بِظلالِهِ على يوميه الّلذان تدور فيهما رواية " قلب طِفل" لـ هرمان هيسه".. قلبُ طِفلٍ صورةٌ أُخرى لتأثير الأب/ الرّب .. والرّغبةُ والرّهبة... هذِهِ قِراءة مبدئيّة سـ تتلوها إن شاء الله قِراءة أُخرى أكثر تفصيلا.
***
صباحٌ تلوّن بالشّحوب من أولى لمحاتِه ، فامتدّ ذلِك الشّحوب ليومٍ كامِلٍ .. صعد الطِّفل لوالِده الّذي ارتسمت صورته في ذِهن الطّفل بالرّب .. صعد ليشكو اعتلال مِزاجِه.. صعد للمكانِ المهيبِ في الطّابِق العلوي.. يُحاصره ضيقٌ من فِعلٍ سيِّئٍ لم يقترفهُ بعد .. يُربكهُ ذلِك الإحساس .. يخشى منه ، يخشى تحقّقه.. صعد لـ يتوب إلى والِده .. ويعترِف بأي خطأٍ كان لـ يتلاشى ذلِك الإحساس ..وبين فقدِ الأملِ والإحساس بالارتياح .. ترنّح الطِّفل عندما لم يجد والدهُ في مكتبِه وغُرفتِه..
وكعادةِ الأطفال وحبّ الاكتِشاف .. لم يشأ الطِّفل أن يخرُج دونما جديدٍ يعرِفهُ عن مخبأِ والِده .. قلّب بعض الأشياء .. وهاتِف الشُّعور بالخطيئةِ يعوي داخِله .. رأي مجموعة دبابيس وريش أقلام .. ودن أيِّ حاجةٍ أخذ اثنين منها ودسّهما في جيبه .. ربّما كان الأمر تلبيةً لهاتِف الشِّرِّ ذاك .. قلّب الكثير ولم يجد ما يُجدِ هُناك.. فكِّر هُنيهة أن يُعيد ما أخذ لكي لا يُثقله الإحساس بالذّنب .. لكنّه قبل أن يخطو تلك الخطوة امتدّت يده لأحد الأدراج .. تمنّى لو يجد شيئا يُرضي غرور طفولتِه .. وفِعلا وجد "قِلادة كامِلة من تينٍ أصفر مغطّىً بالسُّكّر".. بنهمِ الطّفولةِ أخذ يكنِز جيوبه منها ، إلى أن تناقصت للنِّصف ، وبسذاجةِ الطّفولةِ وذكائِها قرّر توزيع ما تبقّى في القِلادة لكي لا يبدو الفارِق كبيرا بين قبل وبعد الانتشال.
سريعا خرج بعد صيده الثّمين من التِّينِ المجفّف .. خبّأ ما تبقّى في خزانة كُتُبه.. وانضمّ إلى مائِدة الغداء الّتي نودِي لها ..تأخّر الطِّفل عن درسِ الرِّياضة لانشغالِه بهاجِس الذّنب وسرقته .. تفاقمت الفِكرة في ذِهنه .. إلى أن سيطرت عليهِ تماما .. ولم يستطع الفكاك منها أبدا .. ففي كُل لحظة يتوقّع أنّ المُصيبة حلّت وأنّ والدهُ اكتشف جريمته .. فيبدأ سيناريو العِقاب والتّأنيب .. لم يستطع كبح جِماح ذاك العذاب ، فخرج من البابِ الخلفي هارِبا .. ابتعد كثيرا عن المنزِل ، وكان كلّما ابتعد يظن أنّه قريب وبالإمكان الوصول إليه .. اِبتعد كثيرا لكن أعادهُ شِجارٌ حدث بينه وأحد زُملائِه.. فجّر فيه الطِّفل جامَ غضبِه وقلقِه وطاقتِه.. عاد بعد ذلِك إلى المنزِلِ في وقتٍ متأخِّرٍ ملطّخا بالدّمِ ممزَّق الثِّياب .. عاينتهُ أمّه واعتنت بِهِ .. وانتهى اليوم..
تخلّل يومهُ ذلِك الكثير من الإحساس بالذّنب وتمنِّي الموت والحِقد على الكِبار ، وكُره الأب وحبِّهِ في آن...في اليوم التّالي والّذي كان يوم أحد.. استيقظ الطِّفل بمزاجٍ أفضل بكثيرٍ من يوم الأمس ، إذ كان وقع الإحساس بالذّنب أقل على روحِه.. تناول إفطارهُ مع والديهِ وأخواتِه .. وذهب للكنيسةِ معهم .. كان يوما خفيفا عليه .. استعاد فيهِ الكثير من الحياة .. بعد عودتِه من الكنيسة دخل لغرفتِه يسقى النّباتات ويرعى الفراشات .. وفجأة فُتِح باب الغُرفة .. لم يكترِث في بادِئ الأمر بذلِك .. غير أنّها حالما أحال رأسه ليرى الدّاخِل تفاجئ بوالِده.. تعاقبت على روحِهِ مشاعِر كثيرة ..كان قد تحلّل من أكثرِها ، ولم يشأ لها أن تُعاد ثانيةً فكرِه والدهُ " حدّقتُ في أبي مصعوقا ، لقد كرهته ، لمَ لمْ يأتِ البارِحة؟..فلستُ الآن مهيّأ لذلِك ...."
تقدّم الأبُّ باتِّجاه خزانة الكُتُب ، وأخرج عدّة أقراص من خلف الكُتُب .. وسأل الطِّفل عن مصدرِها ..تفنّن الطِّفل في ابتداع قصّةً التِّين ، فأخبر والدهُ أنّه اشتراها وصاحبه من أحد المتاجِر ، وعن المال قال أنّه اشتراها بما جمعهُ هو وصديقه من "بنك التّوفير" الّذي كان بالمقرُبة من الطِّفل في غُرفتِه ، وعن قيمة التِّينِ واسم المحل أجاب الطِّفل بتفنُّن .. طلب الأب من طِفله أن يرتدي قبّعته ليذهبا للمتجرِ ، فيتأكّدا من صِدقِ ما يقول .. تناول الطِّفل قبّعته ، لكنّه استأذن والده للدّخولِ إلى الحمّام لدقائِق .. تمنّى الطِّفل أن يموت أو تحدُث مُعجزة تُثني والدهُ عن هذِه الخطّة ، لكنّ شيئا من ذلِك لم يحدُث "لو كان باستطاعتي أن أموت الآن ، مكثت دقيقة فاثنتين ، لم يكُن ذلِك مُجديا".
دقائِق وخرج لوالِده..ذهبا للمتجرِ.. في الطّريق تذكّر الطِّفل أنّها يومُ أحد ، أي أنّ المتجر مُغلق .. سُرعان ما حدّث والدهُ بذلِك .. وببرودٍ وهُدوءٍ موجِع تدارك الأب .. أن حسنا لا بأس سنذهب إلى بيتِ صاحِب المتجر.
في الطّريق حاول الطِّفل الحِفاظ على رباطةِ جأشِهِ ..وقريبا من منزِل صاحِب المتجر .. توقّف الطِّفلُ عن الحِراك ..فتوقّف الأبُ مستفسِرا .. قال الطِّفل أنّه لن يدخُل لمنزِلِ صاحب المتجر ، فهم الأبُّ الأمر .. وعادا أدراجهما ..
صبرُ الأب وهدوئِه كانا يُعذِّبانِ روح الطِّفل .. تمنّى لو عنّفه ، لو ضربه ، لو فعل فيه أي شئ.. فهذا الهُدوء والصّبر يشدُّ من أعصابِهِ ويزيد من توتُّرِه .. ويقوِّي الإحساس بالذّنب.. و كُره الطِّفل لوالِده.
"..لقد كان مهذّبا أكثر مما ينبغي ، وصالِحا أكثر مما ينبغي ، لا يُخطِئ أبدا..كان يجعلني دائِما أشعُر أنِّي ضئيلٌ بائِس"
حالما وصلا إلى المنزِل .. كان الأبُّ إلى ذلِك الوقت مُحتفِظا بهدوئِهِ .. سأل الطِّفل وأجابه بإيماءةٍ من رأسِه.. عوقِب الطِّفلُ بالاحتجازِ في غُرفةٍ مُغلقة ، ولكن العقوبة فقدت جُزء من هيبتها ، فقد تعرّف الطِّفلُ في تِلك الغُرفة المُظلِمة المُغلقة على مجموعة من الكُتُب راح يقرأ فيها.
صورة الأب .. الرّب في ذِهن ذلِك الطّفل .. الخطيئة والذّنب والمغفِرة .. وعالم المثاليّة والفضيلة .. وتمنِّي الموت هربا من المواجهة .. حقّا قلبُ طِفل!
قلبُ طِفلٍ ازدحمت بِهِ الوصايا والأخلاق مع حبِّ المُغامرةِ والاكتشاف ... فأنتجت صِراعا عاشهُ الطِّفل ألقى بِظلالِهِ على يوميه الّلذان تدور فيهما رواية " قلب طِفل" لـ هرمان هيسه".. قلبُ طِفلٍ صورةٌ أُخرى لتأثير الأب/ الرّب .. والرّغبةُ والرّهبة... هذِهِ قِراءة مبدئيّة سـ تتلوها إن شاء الله قِراءة أُخرى أكثر تفصيلا.
***
صباحٌ تلوّن بالشّحوب من أولى لمحاتِه ، فامتدّ ذلِك الشّحوب ليومٍ كامِلٍ .. صعد الطِّفل لوالِده الّذي ارتسمت صورته في ذِهن الطّفل بالرّب .. صعد ليشكو اعتلال مِزاجِه.. صعد للمكانِ المهيبِ في الطّابِق العلوي.. يُحاصره ضيقٌ من فِعلٍ سيِّئٍ لم يقترفهُ بعد .. يُربكهُ ذلِك الإحساس .. يخشى منه ، يخشى تحقّقه.. صعد لـ يتوب إلى والِده .. ويعترِف بأي خطأٍ كان لـ يتلاشى ذلِك الإحساس ..وبين فقدِ الأملِ والإحساس بالارتياح .. ترنّح الطِّفل عندما لم يجد والدهُ في مكتبِه وغُرفتِه..
وكعادةِ الأطفال وحبّ الاكتِشاف .. لم يشأ الطِّفل أن يخرُج دونما جديدٍ يعرِفهُ عن مخبأِ والِده .. قلّب بعض الأشياء .. وهاتِف الشُّعور بالخطيئةِ يعوي داخِله .. رأي مجموعة دبابيس وريش أقلام .. ودن أيِّ حاجةٍ أخذ اثنين منها ودسّهما في جيبه .. ربّما كان الأمر تلبيةً لهاتِف الشِّرِّ ذاك .. قلّب الكثير ولم يجد ما يُجدِ هُناك.. فكِّر هُنيهة أن يُعيد ما أخذ لكي لا يُثقله الإحساس بالذّنب .. لكنّه قبل أن يخطو تلك الخطوة امتدّت يده لأحد الأدراج .. تمنّى لو يجد شيئا يُرضي غرور طفولتِه .. وفِعلا وجد "قِلادة كامِلة من تينٍ أصفر مغطّىً بالسُّكّر".. بنهمِ الطّفولةِ أخذ يكنِز جيوبه منها ، إلى أن تناقصت للنِّصف ، وبسذاجةِ الطّفولةِ وذكائِها قرّر توزيع ما تبقّى في القِلادة لكي لا يبدو الفارِق كبيرا بين قبل وبعد الانتشال.
سريعا خرج بعد صيده الثّمين من التِّينِ المجفّف .. خبّأ ما تبقّى في خزانة كُتُبه.. وانضمّ إلى مائِدة الغداء الّتي نودِي لها ..تأخّر الطِّفل عن درسِ الرِّياضة لانشغالِه بهاجِس الذّنب وسرقته .. تفاقمت الفِكرة في ذِهنه .. إلى أن سيطرت عليهِ تماما .. ولم يستطع الفكاك منها أبدا .. ففي كُل لحظة يتوقّع أنّ المُصيبة حلّت وأنّ والدهُ اكتشف جريمته .. فيبدأ سيناريو العِقاب والتّأنيب .. لم يستطع كبح جِماح ذاك العذاب ، فخرج من البابِ الخلفي هارِبا .. ابتعد كثيرا عن المنزِل ، وكان كلّما ابتعد يظن أنّه قريب وبالإمكان الوصول إليه .. اِبتعد كثيرا لكن أعادهُ شِجارٌ حدث بينه وأحد زُملائِه.. فجّر فيه الطِّفل جامَ غضبِه وقلقِه وطاقتِه.. عاد بعد ذلِك إلى المنزِلِ في وقتٍ متأخِّرٍ ملطّخا بالدّمِ ممزَّق الثِّياب .. عاينتهُ أمّه واعتنت بِهِ .. وانتهى اليوم..
تخلّل يومهُ ذلِك الكثير من الإحساس بالذّنب وتمنِّي الموت والحِقد على الكِبار ، وكُره الأب وحبِّهِ في آن...في اليوم التّالي والّذي كان يوم أحد.. استيقظ الطِّفل بمزاجٍ أفضل بكثيرٍ من يوم الأمس ، إذ كان وقع الإحساس بالذّنب أقل على روحِه.. تناول إفطارهُ مع والديهِ وأخواتِه .. وذهب للكنيسةِ معهم .. كان يوما خفيفا عليه .. استعاد فيهِ الكثير من الحياة .. بعد عودتِه من الكنيسة دخل لغرفتِه يسقى النّباتات ويرعى الفراشات .. وفجأة فُتِح باب الغُرفة .. لم يكترِث في بادِئ الأمر بذلِك .. غير أنّها حالما أحال رأسه ليرى الدّاخِل تفاجئ بوالِده.. تعاقبت على روحِهِ مشاعِر كثيرة ..كان قد تحلّل من أكثرِها ، ولم يشأ لها أن تُعاد ثانيةً فكرِه والدهُ " حدّقتُ في أبي مصعوقا ، لقد كرهته ، لمَ لمْ يأتِ البارِحة؟..فلستُ الآن مهيّأ لذلِك ...."
تقدّم الأبُّ باتِّجاه خزانة الكُتُب ، وأخرج عدّة أقراص من خلف الكُتُب .. وسأل الطِّفل عن مصدرِها ..تفنّن الطِّفل في ابتداع قصّةً التِّين ، فأخبر والدهُ أنّه اشتراها وصاحبه من أحد المتاجِر ، وعن المال قال أنّه اشتراها بما جمعهُ هو وصديقه من "بنك التّوفير" الّذي كان بالمقرُبة من الطِّفل في غُرفتِه ، وعن قيمة التِّينِ واسم المحل أجاب الطِّفل بتفنُّن .. طلب الأب من طِفله أن يرتدي قبّعته ليذهبا للمتجرِ ، فيتأكّدا من صِدقِ ما يقول .. تناول الطِّفل قبّعته ، لكنّه استأذن والده للدّخولِ إلى الحمّام لدقائِق .. تمنّى الطِّفل أن يموت أو تحدُث مُعجزة تُثني والدهُ عن هذِه الخطّة ، لكنّ شيئا من ذلِك لم يحدُث "لو كان باستطاعتي أن أموت الآن ، مكثت دقيقة فاثنتين ، لم يكُن ذلِك مُجديا".
دقائِق وخرج لوالِده..ذهبا للمتجرِ.. في الطّريق تذكّر الطِّفل أنّها يومُ أحد ، أي أنّ المتجر مُغلق .. سُرعان ما حدّث والدهُ بذلِك .. وببرودٍ وهُدوءٍ موجِع تدارك الأب .. أن حسنا لا بأس سنذهب إلى بيتِ صاحِب المتجر.
في الطّريق حاول الطِّفل الحِفاظ على رباطةِ جأشِهِ ..وقريبا من منزِل صاحِب المتجر .. توقّف الطِّفلُ عن الحِراك ..فتوقّف الأبُ مستفسِرا .. قال الطِّفل أنّه لن يدخُل لمنزِلِ صاحب المتجر ، فهم الأبُّ الأمر .. وعادا أدراجهما ..
صبرُ الأب وهدوئِه كانا يُعذِّبانِ روح الطِّفل .. تمنّى لو عنّفه ، لو ضربه ، لو فعل فيه أي شئ.. فهذا الهُدوء والصّبر يشدُّ من أعصابِهِ ويزيد من توتُّرِه .. ويقوِّي الإحساس بالذّنب.. و كُره الطِّفل لوالِده.
"..لقد كان مهذّبا أكثر مما ينبغي ، وصالِحا أكثر مما ينبغي ، لا يُخطِئ أبدا..كان يجعلني دائِما أشعُر أنِّي ضئيلٌ بائِس"
حالما وصلا إلى المنزِل .. كان الأبُّ إلى ذلِك الوقت مُحتفِظا بهدوئِهِ .. سأل الطِّفل وأجابه بإيماءةٍ من رأسِه.. عوقِب الطِّفلُ بالاحتجازِ في غُرفةٍ مُغلقة ، ولكن العقوبة فقدت جُزء من هيبتها ، فقد تعرّف الطِّفلُ في تِلك الغُرفة المُظلِمة المُغلقة على مجموعة من الكُتُب راح يقرأ فيها.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)







